• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

في معرض «بين الواقع والخيال» بدبي.. نصوص تفيض بالوعي

وفاء خازندار تحفر بالسكين لوحات مغايرة للمألوف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 25 مايو 2014

محمد وردي (دبي)

الفنانة التشكيلية وفاء خازندار في معرضها الشخصي السابع، الذي تنظمه صالة «باكينسكايا غاليري» في «أبراج بحيرات جميرا قسم x1» بدبي، تحت عنوان «بين الواقع والخيال»، تقدم تجربة فنية مغايرة للمألوف في المشهد التشكيلي الإماراتي عموماً، لأن أعمالها في المرحلة الثالثة من تجربتها التشكيلية الممتدة على مدى ربع قرن تقريباً بدأت الرسم مطالع التسعينيات الماضية وهي ما دون العشرين من عمرها لا يمكن أن تنتظم بأسلوب محدد في المنظار النقدي، لأنها لوحات خاصة ببصمة «خازندارية» مميزة إن صح التعبير فهي بالقطع أعمال لا تنتمي إلى التيارات أو المدارس الكلاسيكية المعروفة مثل الانطباعية أو التعبيرية أو فن التجريد أو «البورتريه». وفي الوقت عينه، لا تنتمي إلى المدرسة الحروفية أو فن الخط العربي، أو فن الغرافيتي، وإنما هي ربما تتأثر بكل هذه المدارس أو الأساليب، لتبدع ثيمتها الفنية المتفردة، سواء على مستوى الفكرة أو الموضوع، أو على مستوى استخدام الألوان والضوء والظل والخطوط والكتلة والفراغ. فالفكرة لدى الفنانة خازندار في لوحاتها التسع والعشرين، التي يتألف منها معرضها الأخير، رغم أنها تبدو أنثوية، أو أنها تتمحور حول موضوع المرأة، كإطلالة أولى على المشهد التشكيلي باللوحة، إلا أنها تتجاوزها إلى فضاءات إنسانية أشمل وأعم، تكتسب حضورها في اللعبة البصرية بقوة محمولاتها الدلالية والرمزية.

ذلك أن أنوثة المرأة في أعمال الفنانة خازندار ليست تقليدية أو نمطية، وإن بدت بالصورة أو اللوحة، وكأنها قريبة بتمظهراتها من عوالم «ألف ليلة وليلة»، وإنما هي متمردة على الواقع، رافضة لمساراته القهرية، من خلال تأكيد فاعليتها المدهشة بمجرياته، سواء لجهة تحولاتها الشعورية والوجدانية تماشياً مع واقع تعيشه من أجل عبوره إلى واقع أفضل، أو لجهة أنوثتها الكامنة في ذاتها كرمز للخصب والأصل في البقاء والديمومة بأبعادها الوجودية المتعددة، في إطار إعادة الخلق أو البعث، في عملية دائمة التجدد أو التحول، وكأنها في كل مرة لها بداية متشابهة، ولكنها تمضي في مساراتها بشكل مختلف إلى ما لا نهاية، كما هي الحال بلوحة «أحلام»، التي تشخص تسع نساء تتناسل كل أنثى من الأخرى، بشكل هرم مقلوب، ولكنه محفوف بالأوراق والخضرة من كل الجهات، فالصورة الأولى العلوية هي أكبر من التي تليها، وهكذا دواليك حتى تنتهي إلى القاعدة التي هي عبارة عن علبة، ترفض الفنانة تركها مغلقة، فتصر على فتحها ليخرج منها الديك أو الذكر، في إحالة واعية إلى الفجر الجديد، أو اليوم الجديد أو الحلم الجديد، أو الدورة الوجودية الجديدة، وفي الوقت عينه ينطوي الديك على إحالة لا تقل وعياً عن سابقتها، ذلك لأنها إحالة إلى الذكورة، التي يكتمل بها معنى الأنوثة، أو التي لا يكون معنى الأنوثة مكتملاً من دونها؛ لأن الحسن لا يكتمل إلا بضده، كما أن القباحة لا نعرف بشاعتها إلا بحضرة الجمال.

كذلك الأمر بالنسبة إلى استخدام الفنانة خازندار للألوان، فهي تستعين بـ«الاكريلك» ومواد أخرى في محاكاة الضوء والظل، لتقديم ألوان هادئة، متوازنة و«فرايحية» إلى حد ما، لتعبر عن حالة الانسجام والتناغم، وأحياناً التماهي الكلي مع يقين الأنثى، وإحساسها المتعالي بأنوثتها على ما دون الخصب والعطاء، والبِشر والنماء، والدفء، والبقاء، فهي تدرك أنها الأصل، وتدرك أن الحياة من دونها شقاء بشقاء.

كذلك تلعب خازندار بالفراغات بخطها اليدوي، العفوي، الذي لا يستند إلى فن الخط العربي المعروف بأنواعه المختلفة، وإنما يتكئ على الصور والدلالات والإيقاعات الموسيقية والشعرية من قصائد طرزتها الفنانة بدواوينها الثلاثة «سلاح أبيض»، و«خازنة الفرح»، و«الأرملة السوداء». كما أنها تلعب بفراغات اللوحة من خلال الزخرفة الإسلامية، ما يجعل لوحتها تجمع كل الفنون، وفي الوقت عينه تستقل عنها بخصوصياتها المفرطة بشفافيتها وجمالياتها الفنية والمعرفية.

ربما تذهب خازندار باللوحة إلى هذه المديات بالاختلاف والتمايز عن التجارب الأخرى، لكونها تعانقت مع الحرف والكلمة منذ تفتح عينيها، حينما أخذت تلوذ بالقصائد والقصص منذ سن السابعة، لتصوير عوالمها الخاصة، وتعيش زمنها المختلف عن غيرها من الأطفال، هل هي الصدفة؟ أم أنها لعبة الأقدار، حيث ساقت شقيقها الشاعر إلى السفر والاغتراب تاركاً خلفه مكتبة غنية، وجدت بها وفاء الطفلة عالما سحرياً، فتوغلت به، ولم تغادره حتى اللحظة، حيث أصدرت ثلاثة دواوين شعرية ومجموعة قصصية. ربما يكون الأمر كذلك، وربما يكون اختمار النصوص الفائض في الوعي، هو من اجترح الريشة بين أصابع وفاء، حينما راحت تحفر بالسكين لوحاتها، بدأب ومثابرة، صقلتها أخيراً بشهادة بكالوريوس فنون جميلة من الجامعة الأميركية بدبي قبل عامين، إلى جانب بكالوريوس إدارة أعمال وتخطيط بدأت بها حياتها المهنية. يستمر المعرض حتى الثالث عشر من يونيو المقبل.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا