• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

حرب عالمية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 21 سبتمبر 2016

كتبت في شهر مارس/‏آذار عام 2015، مقالة تحت عنوان: هل هي الحرب العالمية الثالثة؟ تطرقت فيها إلى ما يجري اليوم في سوريا وليبيا والعراق واليمن ولبنان وفلسطين من حروب دموية من خلال منظمات إرهابية تم تأسيسها لهذا الغرض. ولكن الأمور تطورت اليوم إلى حرب إرهابية تدور رحاها على أرضنا العربية بين الدول الكبرى ومن سار في ركابها من دول العالم الأخرى الطامعة بحصة من الكعكة العربية، دون أن تأخذ هذه الحروب حتى الآن اسمها بعد على ألسنة وأقلام البشر كحرب عالمية ثالثة، فقد تحولت بالفعل إلى بداية حرب دموية طاحنة بين أسلوب عيش مادي وحضارة مادية غربية، مدعومة بالمال والإعلام تحاول فرض ذاتها عبر الحروب خارج حدودها وعلى أنقاض حضارات عريقة هي أصل المعارف والثقافة والعمران والعلوم والفنون والقيم الأخلاقية من آسيا إلى أفريقيا، وتشمل طبعاً بلاد الشام والرافدين مهبط الرسل والأنبياء كما تشمل الصين وإيران وروسيا والهند. إذ إن حقيقة الحرب الدائرة اليوم، مهما اختلفت مواقعها الجغرافية، وتعددت أشكالها، بين معارك صغيرة هنا وأخرى كبيرة هناك، هي أنها حرب بين طرق عيش ومُثل وسلوك وطرق تفكير وثقافة مختلفة جداً بين هذه الأطراف المتحاربة. لم يتوقف الغرب المادي يوماً عن شنّ حروب متتابعة متواصلة من أجل نهب ثروات الشعوب ومن أجل فرض أسلوب عيشه وطرائق تفكيره على الآخرين كي يضمن أنه لا وجود لنموذج في الحكم والحياة إلا نموذجه، وهذا هو كنه الصراع الدائر اليوم في منطقتنا وفي العالم برمته.

ومن هذا المنظور بالذات لا يولي الغرب أي أهمية للجرائم التي ترتكب في فلسطين وكل ما تقوم به الصهيونية لتصفية شعب أصلي وإحلال مستوطنين مسلحين مكانه بقوة السلاح، لأن هذا بالضبط ما قامت به الدول الغربية في تعاملها مع السكان الأصليين وخاصة في الولايات المتحدة وأستراليا وكندا ضد الهنود الحمر والأبورجينز.

وها نحن نشهد مستويات مختلفة للحرب الدائرة ونتائج متعددة الاتجاهات من مصادرة قرارات، وشلل بلدان، إلى تصفية شعوب أصلية. والعامل الأخطر في هذه الحرب الدائرة اليوم والتي هي حرب ثقافية وأخلاقية ومعرفية وحرب هوية بامتياز تتمثل في العمل على تشتيت المفاهيم والمبادئ الأخلاقية والمعرفة في البلدان المستهدفة، والتي هي بلداننا نحن، لأن هذا العامل هو الذي يبرر خيانة مثقفين عرب، منهم اليمين الديني المتطرف ومنهم اليساري الماركسي ومنهم القومي المرتدّ، ويدعم وجهة نظر مدعي الثقافة العربية الذين تَزِنُ ذممهم بالدولارات التي تقدم إليها. ومثل هذا العامل يخلق تشويشاً منهجياً وفكرياً لدى البعض الذين لم تتجذر أقدامهم بعد على صخور بلدانهم وقوميتهم العربية الصلبة.

في هذه الحرب العالمية اليوم، الحلّ الوحيد هو الانبعاث المبدئي والقومي، والصمود للدفاع عن حضارتنا وقوميتنا والتحالف مع ثقافات الحضارات العريقة بما قدمته إلى البشرية، في وجه ثقافة أحادية وحشية لا تؤمن بالتعددية الفكرية، اتخذت من الخونة والعملاء عوناً لها. علينا الدفاع عن قيمنا بأن الإنسان هو أقدس ما في الكون، وأن من يفتي بقتل الإنسان لأخيه الإنسان هو مجرم بحق الإنسانية، بغض النظر عن عباءته الدينية وادعاءاته الديمقراطية.

الحلّ اليوم يكمن في النظرة الكليّة والجوهرية للأمور، وبإعادة صياغة القيم والثقافة والتفكير بما يتناسب مع حجم الصراع بين هذين المشروعين، مشروع حضاري عريق هو أصل الحضارة الإنسانية ومعارفها وقيمها، ومشروع استيطاني غربي جشع يقوم على استغلال الإنسان ونهب ثروات الشعوب، وسيلته من أجل ذلك إعلام كاذب مخادع ونفوس ضعيفة تُشترى بالمال وتذرّ الرماد في عيون أبناء الوطن الواحد لتشتّت صفوفهم وتُسهّل تمرير مشروع إبادة حضارات أصلية كاملة وتأسيس عالم منتج للمال المتراكم من النهب والسلب على أنقاضها، ولأدوات إعلام هدفها الأساس السيطرة على موارد البشر وأدوات الإنتاج من أجل إثراء فئة قليلة على حساب الأغلبية. ولكنّ حقيقة الأمر هي أن الحروب التي تم شنّها على بلداننا، والتداعيات الإقليمية والعالمية المرافقة لها، تبرهن يوماً بعد آخر أننا في عالم انتقالي، ومرحلة تاريخية وسيطة تتصارع فيها القيم والمشاريع بغية التوصل إلى شكل مختلف للعالم، وربما ستظهر قيم وتوجّهات غير مألوفة لمن عاش قبل وخلال هذه الحروب.

نصـّار وديع نصـّار

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا