• السبت 05 شعبان 1439هـ - 21 أبريل 2018م

شذريات

الشعر يناولكَ نفسكَ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 أغسطس 2017

ممدوح عدوان

إعداد واختيار ــ عبير زيتون

في مطلع ستينيات القرن العشرين ارتفع صوته للمرة الأولى، وهو القادم من قرية «قيرون - مصياف « ليس متعالياً عليها، ولا خائفاً منها، بل يسوقه حلم ابن الحياة الحر، الجامح، والمتمرد في وجعه على أزمات الزمن العربي الموجع بهزائمه، وانكساراته المتتالية، فكان لسان الوجع المحتج بالحبر والورق، الرافض لكل الأقفاص والفضاءات الضيقة، محارباً ثقافياً متفرداً في دلالته وثرائه، وأحد مداميك عمارة الحداثة الشعرية السورية، في منعطفها الثاني في أواخر الستينيات من القرن الماضي، ومن أكثر التجارب الأدبية المعاصرة إثارة للجدل والغرابة، بانشطار أكوانها الإبداعية واتساع فضاءاتها بين الشعر، والرواية، والمسرح والترجمة، والدراما، المتميزة جميعها بتركيزها العالي على المفارقات الساخرة في الألم العربي، ومشاكسة خفايا الواقع العربي في زمن التردي المزمن، وفضح التناقضات الدقيقة الخفية فيه. رحل» الشاعر ممدوح عدوان « (1941 - 2004) آخر ما يسمى بشعراء اليقين القومي، صاحب «الظل الأخضر» و»الدماء تدقّ  النوافذ « و «يألفونك فانفر» و «أقبل الزمن المستحيل» و «تلويحة الأيادي المتعبة» و «أمّي تطارد قاتلها» عن عمر «63»عاماً، في 22/&rlm&rlm12/&rlm&rlm2004 بعد معركة مريرة مع المرض، تاركاً فوق مائدة الحياة، ترجمات لروائع الأدب العالمي مثل: «تقرير إلى غريكو» لكازانتزاكيس و «الألياذة» لهوميروس و»الرحلة إلى الشرق» لهرمان هيسّه، والعديد من روائع المسرحيات، والأعمال الشعرية والفكرية، والمسرحية، والمقالات الصحفية.

هذه الشذريات مستمدة من كتابيه «دفاعاً عن الجنون» و «حيونة الإنسان» وبعض الحوارات الصحفية.

إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع &rlm.. تركنا فوقها منسف أحلام.. &rlm نحن أكملنا مدار العمر... فرساناً، وقد متنا شباباً.

من ديوان «كتابة الموت»

***

 جئت من الضيعة، لم أجئ متعالياً عليها، ولا خائفاً منها، جئت وعندي مركب نقص تجاه دمشق. كنت أرى أن علينا أن نتطور، ونطوّر المدينة، لا أن نعمل على ترييفها، كان هدفي كيف نصبح مدنيين أكثر، كيف يمكن أن نكتب أفضل، بحس حضاري وبأخلاقية أعلى، غير الأخلاقية الدينية، كيف تكون علاقاتنا إنسانية أكثر.

***

أنا الآن، في عمرٍ بدأت أحسُّ معه أن المستقبل مغلق، والماضي الذي اكتشفت أنه كونّني، باقٍ فيّ «كندوب»، وكلُّ ما أحنُّ إليه لم يعد موجوداً، وحتى ما هو موجود، مثل «الأب» الذي أخاطبه في ديواني الأخير: (وعليك تتكئ الحياة)، أتمنى أن يموت، وهو محتفظٌ بكرامته، لأنني لا أريد له أن يُذّل، كما هو حاصل معنا، فنحن نخشى أن يمضي الحال بنا نحو الأسوأ.

***

هناك ما أسميه: «حصار التفاهة».. عندما تعوِّد مجموعة من الناس على الاستمتاع بالتفاهة، عبر القصة البوليسية أو الدراما التلفزيونية السطحية، وغيرها، فهذا الأمر يروّض العقول، ويعودّها على الاستمتاع والاسترخاء، أمام هذا النوع من الأداء. وبالتالي عندما يأتي أداء أكثر عمقاً يصبح متعباً وعبئاً عليهم، فلا يقبلون عليه. إذن المشكلة ليست بالمسرح أو الشعر، ولا بالشاعر، وإنما بهذا المناخ الذي أفسد الناس.

***

أرى أن الفن الجيد في هذا العصر لم يعد ما تتلقاه وأنت مسترخٍ، هذا ينسحب على الموسيقى والرسم والشعر وحتى الغناء.. فالغناء الذي تتلقاه باسترخاء هو غناء رديء! كل فن جيد يجب أن يوثّب ذهننا، ويوقظ في نفوسنا أسئلة ما، فضولاً ما، تنبهّاً ما. ذلك هو الفن، أما الفن الذي يؤدي بنا إلى الاسترخاء فذلك هو «الفن الميت»، وفن الموتى، يكتبه موتى ويتلقاه موتى..

***

خير ما تكتبه هو ذلك الذي تكتبه وكأنّ أحداً لن يقرأك ذاك الذي تكتبه باطمئنان وكأنّك تعترف... كأنّك تتعرى... كأنّك تضع نفسك المحمّلة على طاولة وتشرحها وأنت مقفل على وحدتك الباب ونوافذ البيت بلا خجل بلا خوف بلا حساب لأحد.

***

نحن في حاجة إلى الجنون لكشف زيف التعقل والجبن واللامبالاة، فالجميع راضخون، ينفعلون بالمقاييس المتاحة... ويفرحون بالمقاييس المتاحة.. يضحكون بالمقاييس المتاحة... ويبكون ويغضبون بالمقاييس المتاحة... ولذلك ينهزمون بالمقاييس كلها، ولا ينتصرون أبدا.

***

نحن أمة خالية من المجانين الحقيقيين. وهذا أكبر عيوبنا. كل منا يريد أن يظهر قوياً، وعاقلًا، وحكيماً، ومتفهما. يدخل الجميع حالة من الافتعال، والبلادة، وانعدام الحس تحت تلك الأقنعة فيتحول الجميع إلى نسخ متشابهة مكرورة... ومملة.

***

في حياتنا شيء يجنّـن. وحين لا يجنّ أحد فهذا يعني أن أحاسيسنا متبلدة، وأن فجائعنا لا تهزنا. فالجنون عند بعض منا دلالة صحية على شعب معافى لا يتحمل إهانة... ودلالة على أن الأصحاء لم يحتفظوا بعقولهم لأنهم لا يحسون بل احتفظوا بعقولهم لأنهم يعملون، أو لأنهم سوف يعملون على غسل الإهانة.

***

كل ما أراه يحتويني أستاء منه، وكل ما أفرح به أراه يساعدني على النمو، وما أخاف منه أن الضغوط المحيطة تقلل من إنسانية من حولي، أو أجد ضغوطاً معتاداً عليها لدرجة لم أعد أحسّ  بأنّها ضغوط، هذا أخطر ما في الموضوع أن نعتاد على الظروف غير الطبيعية ونعتبرها طبيعية.

***

إننا خائفون من أن نكون «الهنود الحمر» لهذا العصر، وعلى الرغم من أن التكنولوجيا الحديثة قد جعلت العالم أصغر، إلا أنها جعلته «أصم «. ولأن وسائط الإعلام، والاتصال تعمل وفق «العقلية الغربية» فإنها تقول إنه ليس هناك مشكلة تستحق الاهتمام ما لم يتهدد «الإنسان الأبيض»، خاصة ذلك الذي يعيش في ما يعرف باسم «العالم الحر» ولهذا يعتبر زواج الأمير شارل أكثر أهمية من قصف المخيمات، واقتحام الأقصى.

***

نحن لا نتعوّد يا أبي إلا إذا مات شيء فينا، وتصوّ حجم ما مات فينا حتّى تعوّدنا على كلّ  ما حولنا.

***

إن المقولات النقدية التي تحاول التشكيك «بالشعر المهتم «بما يجري، أو تحاول «صرف الشعر» عن موضوعاته الحية، إلى غواية الموضوعات «الخالدة» هي مقولات تعبر تعبيراً دقيقاً، وذكياً عن مصالح أولئك الذين يريدون الإبقاء على العالم كما هو، ومن يريدون أن لا يحدث أي تغيير في العالم.

***

لقد أقيم جدار بين الجيل الجديد، والفنان، وبين الأفكار الجديدة الجادة. هذا الجدار هو «السطحية «. هو تعويد القارئ على القراءة السهلة اللامسؤولة. وهذا يفسر لنا تدفق أكثر من «مئة ألف قصيدة «حول النكبة الفلسطينية، ولم تستطع أن تضيف شيئاً إلى وعي الناس، أو تطور الفن إذا لم نقل أنها أعاقت هذا التطور.

***

الفنان المبدع هو الإنسان الصافي. وسعيه نحو النضج هو سعيه نحو هذا الصفاء. نحو أن يكون «الكل» في نفسه. أنه السعي نحو كشف الحقيقة: حقيقة نفسه.. حقيقة كونه «إنسانا» حقيقة إنسانيته، ولهذا يتساقط الكثيرون في طريق النضج. وذلك حين ينفصل التطور الشكلي عن التطور في المضمون.. أو عندما تكون أفكارهم الجديدة مُلصقة «مستوردة» على حياتهم ولا تكون نابعة منها.

***

في زحمة الحياة، في التسابق المحموم نحو الغنيمة أو النجاة في خضم البحث عن منتدى صحي للحياة، هناك من يستوقفك ليقول لك: إنك قد نسيت شيئاً ما حين غادرت مسرعاً. شيء كالسبحة أو القداحة أو حمالة المفاتيح. «الشعر» يناولك هذا الشيء الذي نسيته، أو تناسيته، أو تعودت إهماله: «الشعر يناولك نفسك».

***

قد يعتبرك الشعر إنساناً وحيداً في عالم موحش ضار فيقدم لك ابتسامة الحبيبة، أو كتف الصديق أو تفهم الأم. وقد يعتبرك نذلا فيبصق في وجهك.

***

 الشعر الذي يستطيع أن يكون جميلاً وحالمًا ولاهياً، هو شعر في المعسكر الآخر: معسكر القبح والنخاسين. وهو شعر يريد أن يلهينا عن رؤية سالبي قوتنا وكرامتنا.

***

يبارك الكثيرون قمع الشعر ويمارسونه. فالشعر ألد الأعداء لأنه أوضحهم عداء. والشعر أسهل الأعداء، لأنه لا يُسيل دماً ولا يضرب سياطاً.

 

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا