• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

مسافي.. ارتوت باسمها «الصافي»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 مايو 2014

كلمة الماء الصافي تغيرت بلكنة أعجمية لتصبح مسافي.. لقد خرجت الكلمة من أفواههم غير صافية كما أصلها، لتصبح مسافي كما هو متعارف عليه اليوم.. هكذا تبدأ الحكاية الممتدة في الذاكرة بين الناس، التي يرددها أهل القرية الوديعة التي طالما كانت تنعت عند بعضهم بـ(لبنان الصغيرة) نظراً لما حباها الله به من نضارة وخضرة وخصوبة قل أن تجد لها مثيلاً في نظيراتها من القرى المجاورة لها. استوعب العقل الجمعي الكلمة فبقيت عالقة على الأفواه، لكنهم لم ينسوا الأصل والنظير، وباتت قصة الاسم ترددها الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى ارتبط الاسم بالسياق وأصبحت وكأنها تفيد الكلمة الأولى ذاتها، ولكل أمر من الاسم نصيب. لا يمكن أن تمر على مسافي الفجيرة التي تتموقع بين الذيد ومدينة الفجيرة، دون أن يتراءى لك الطريق حقلاً من الثمر والخضراوات والمعارض المختلفة في تناسق بديع يشد العابرين بترتيبه ويرغمهم على الوقوف ولو لحين. ولولا شح الماء لبقيت مسافي مطمورة البلد، حيث تجود بأطيب الثمار وتنثر أريجها الأخضر على كل ما حولها من جبال تسند ظهرها عليها مستلقية في انتظار ماء كان ينزل مدراراً ويترك خلفه أودية وأنهاراً.

ساسي جبيل

مسافي الفجيرة قرية حافظت على تفاصيلها الأولى، ولا تزال إلى يوم الناس هذا ترسم لمزارعها حواجز أسمنتية عاليه كأحواض يجتمع فيها الماء، فيعلو نخل وهامبا (مانجو)، وليمون، وسفرجل، وذرة، وتفاح، وبرتقال، وفندال، وياس معطر. إن إحصاء ما تجود به الأرض هناك، يجعلك تعتقد جازماً أن سراً ما يسكن ذلك الصخر ويحيلك إلى قدرة الإنسان على التعاطي مع التربة والبيئة الجبلية القاسية، لكنهم من هذا الصخر يصنعون الحياة ويرغمون الصخر على أن ينجب من رحمه ما لذّ وطاب، ومن هذا الصخر الذي لم تفعل فيه الكسارات والهجومات العمرانية المتتالية شيئاً يبقى الأمل معلقا في عودة الماء كما كان قبل نضوبه في كثير من المطارح. ومن خلال الأشجار والنباتات أيضاً يبدو جلياً أن الأهل الأوائل كرسوا ثقافة المزرعة وتهيأت لهم ظروف العمل فيها، حيث كان الماء قبل أن يشح في العديد من الأودية والعيون المورد الرئيسي لسكان مسافي الذين دأبوا على تربية الهوش والبوش، والذين اشتغلوا بالتجارة فبرعوا فيها وتعالى صيتهم في مختلف النواحي القريبة والبعيدة في مجالها، حيث ساعدهم الموقع المتميز بين أربع إمارات في الدولة على التواصل الفاعل والإيجابي والاستفادة من الجغرافيا التي منحتهم مكان المركز الذي يتفاعل مع أطرافه بيعاً وشراء وحتى مقايضة، كما يتحدث سكان مسافي الذين طالما كان لهم وما زال باع وذراع في الأسواق القريبة سواء بالشارقة أو دبي أو رأس الخيمة.

لبنان الصغيرة

تربية المواشي بأنواعها مثلت واحدة من الخصوصيات التي عرفت بها مسافي، وهو أمر يقترن عادة بالزراعة وتوافر الكلأ، وهذا أمر مؤكد في مثل هذه المناطق التي لا ضمان فيها لتقلبات الزمان وتنوع المناخات، فـ(لبنان الصغيرة) كما كانت تعرف، لم تعد اليوم كما كانت عليه بالأمس بفعل شح الأرض وقلة الماء، مما ترك عجائز النخل تبدو متداعية في كثير من الحقول التي تغير لونها بعد الظمأ، وهي التي كانت تشرب من الأفلاج وتنتظر الأودية والمسطحات المائية لتعلو خضراء باسقة واقفة بين الصخر بكل عزيمة وإصرار، الماء الذي يقف وراء كل الأخضر الذي كان يغزو حقول ومزارع وواحات مسافي لم يعد يهطل كما كان، وعليه فإن تراجع المحاصيل، وعزوف البعض عن الانتظار جعل كثيراً من أبنائها يتركون الأرض بحثاً عن موارد أخرى، ونضوب السيل في كثير من الأماكن جعل الفلاحين يبحثون عن حلول أخرى ليعرش الأخضر وترتوي حقول المانجو والليمون وواحات النخل الذي يهب تمراً طالما تميز بمذاق خاص.

تؤكد القرية حضورها المركزي في المنظومة الزراعية الإماراتية على الدوام رغم كل العوامل الطبيعية المناوئة، فطالما عرفت بذلك طوال السنين وستظل رغم الجفاف والعطش تحفر في الصخر لتعلن الحياة وتبعث في الأرض نبتاً لا يموت، فماؤها الصافي العذب الزلال طالما كان نقيا منهمراً في كل أرجائها ودروبها حتى باتت مصيفا، يقصدها سكان الإمارات المجاورة للتمتع بالخضرة النظرة والظل العميم في عرشان السعف والنخيل الممتدة في سيح القرية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف