• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

أفريقيا تخلصت من الأبارتهيد بهدوء ملحوظ، بينما يدعم السلام الأميركي الأبارتهيد في فلسطين، وفي أجواء لا توحي بتحقيق السلام، وهذا أهم أسباب الكراهية المتبادلة

العرب والأفارقة.. ومفاهيم السلام المهدرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 20 سبتمبر 2016

حلمي شعراوي*

بمناسبة ذكرى أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، صدرت عدة إشارات مثيرة، وعدة رغبات أخرى، بين الرغبة في الانتقام، والرغبة في الاعتذار أو الحوار. ويبعث الكثير منها رسائل مختلفة جديرة بأن تكون موضع تأمل المحللين السياسيين، وعلم النفس الاجتماعي والجماعي، لنرى إلى أين تتجه الأمور بشعوبنا هذه الفترة التي تكاد تبدو وكأنها أول أحداث ما بعد الحرب الباردة، أو قل الحرب العالمية التي تجرى فيها التسويات والمصالحات، وقد تعلن فيها عداوات جديدة! وطبيعي أن يتجه النظر إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.

في هذا النطاق الضيق نسبياً للتحليل، كنت أقرأ للراحل المتميز بقراءاته الواسعة وهو البروفيسور علي مزروعي كتيباً أصدره عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 بعنوان ذي دلالة هو «النيران المتبادلة بين العرب والأفارقة» ‏Afro Arab Cross Fire ‬، أو ‬بين ‬لهيب ‬الإرهاب ‬وقوة ‬السلام ‬الأميركي، ‬وكان ‬ذلك ‬بعد ‬حادث ‬البرجين ‬مباشرة ‬عام ‬2001 ‬، ‬راجعاً ‬إلى ‬تحليل ‬موجة ‬الهجوم ‬على ‬العرب ‬والإسلام، ‬كتفسير ‬ثقافي ‬لظاهرة ‬الإرهاب ‬التي ‬لها ‬تمثلاتها ‬في ‬مناطق ‬أخرى ‬مثل ‬أفريقيا ‬وغيرها ‬ولا ‬تثير ‬كل ‬هذه ‬الكراهية- أو ‬النيران- ‬المتبادلة. ‬وفي ‬تقدير «‬مزروعي» ‬أن ‬العامل ‬الثقافي ‬عند ‬العرب ‬المسلمين ‬شديد ‬الوطأة ‬على ‬مشاكلهم ‬، ‬كما ‬أن ‬الصعود ‬الأميركي ‬كقوة ‬إمبريالية - ‬بعد ‬انتهاء ‬الاستعمار ‬القديم - ‬له ‬نفس ‬الوطأة ‬على ‬كثير ‬من ‬شعوب ‬المنطقة ‬. هنا ‬لجأ «‬مزروعي» ‬إلى «‬غاندي» ‬والكثير ‬من ‬تعليقاته ‬عن ‬العداء ‬السائد ‬في ‬العالم ‬وضرورة ‬أن ‬تلعب «‬الستياجراها» ‬أو «‬قوة ‬الروح» ‬دورها ‬في ‬العالم ‬بدل ‬استمرار ‬التنازع ‬...

ذكرني ذلك بما يجري هذه الأيام من عودة روح الانتقام والإمبريالية، وليست روح غاندي عند المجتمع الأميركي تجاه العرب والمسلمين، وكيف تعكس العملية الانتخابية القائمة الآن هذه الروح بشدة لا نعرف هل هي ناتج الرغبة في امتصاص آخر ما عند الخليجيين من مال وبترول، أم أنها استقواء إمبريالي للتفرد «بسلطة السلام الأميركي» الذي أشار إليه «مزروعي». أما انسحاب الأوربيين بالاعتذار أو بحث مفكريهم أحياناً عن عمليات بعيداً عن الأخلاق والثقافة، فقد أرجعها «مزروعي» أيضاً إلى الرغبة في التعويض البسيط للموقف سواء بصيغة حسابية ‏Reparation ‬أو ‬Pay Back ‬بمعناها ‬الأوسع، لخلق ‬أسس ‬جديدة ‬للخلاف ‬، ‬وإلا ‬كيف ‬نفسر ‬اختلاق ‬ودفع ‬كل ‬هذه ‬الخلافات ‬والتحالفات ‬التي ‬لا ‬تبدو ‬ذاتية ‬بأي ‬حال! ‬والمصادمة ‬لكل ‬المصالح ‬والمثيرة ‬للأحقاد ‬في ‬المنطقة، ‬بينما ‬العنصر ‬الثقافي ‬نفسه ‬الذي ‬تحدث ‬عنه «‬مزروعي» ‬أو «‬غاندي» ‬جدير ‬بخلق ‬روح ‬حوار ‬مختلفة ‬ لو ‬عاملنا ‬الدين ‬بنظرة ‬أخرى ‬غير ‬سياسية.

وكنت بالمصادفة أيضاً وجدت كتاباً آخر للراحل «علي مزروعي»: «نحو السلام الأفريقي» ‏Towards a Pax Africana ‬أصدره ‬عام ‬1967، ‬أي ‬في ‬زمن ‬صعود ‬الأيديولوجيات ‬الأفريقية‬، ‬والذي ‬تحرك ‬فيه «‬المفهوم ‬الثقافي» ‬بطريقة ‬أخرى ‬حيث ‬درس ‬فيه علي ‬مزروعي ‬، ‬قيمة «‬أيديولوجيا» ‬الوطنية ‬وروح ‬الجامعة ‬الأفريقية‬ ومطلب ‬حق ‬تقرير ‬المصير‬، ‬كعملية ‬جامعة ‬للأفارقة ‬تحت ‬شعار «‬كلنا ‬أفريقيون»، ورأى ‬في ‬النهاية ‬إمكانية ‬الانتقال ‬من «‬السلام ‬الاستعماري» ‬إلى «‬السلام ‬الأفريقي» ‬المتفق ‬عليه، ‬والذي ‬نجح ‬إلى ‬حد ‬كبير ‬بالنسبة ‬إلى وقف «‬النيران ‬المتبادلة». وفي ‬أكثر ‬من ‬حالة ‬أفريقية ‬مثل ‬رواندا ‬وتشاد ‬بمجرد ‬نزع ‬عنصر ‬العرقية ‬عنها ‬مقابل ‬صعوبة ‬عنصر ‬الدين ‬أو ‬الطائفية ‬في بعض الصراعات التي تنشب في العالم الإسلامي.

كانت روح «علي مزروعي» نفسه الذي اعتاد السخرية من زعامات تلك الفترة الكاريزمية، لا تصل بتصور الخلاف بين الأفارقة إلا في حدود معنى التنظيم السياسي، وحقوق الإنسان.

وبناء حركة عدم الانحياز، كبناء للتحدي الواجب نحو السلام الاستعماري أو الأوروبي، ولم يرد في الكتاب أية إشارة إلى السلام الأميركي رغم إشاراته إلى الزحف الإمبريالي الذي تم عقب ذلك. وينبهنا مفكر مثل علي مزروعي، أدار معهداً كبيراً في أميركا لسنوات هو «معهد الدراسات الثقافية العولمية» بمعنى إدارة الحوار الممكن بين الحضارات، وليس الحوار العدائي الذي يروجه بعض المفكرون الأميركيون، ينبهنا «مزروعي» في دراساته وخاصة الأخيرة إلى أن العداء الثقافي المتأصل في الشرق العربي الإسلامي، سيظل عنصراً فاعلاً بقدر استمرار «بعده الروحي» من جهة، وروح «الاستشهاد» التي تبثها مدارس معينة آخرها انضمام إيران إلى مشكلات المنطقة.

ويرى «مزروعي» ما يوحي بسبب يعرقل بث روح التصالح في المنطقة العربية، بينما هذه الروح سادت دائماً في أفريقيا مع تصفية الاستعمار، وخاصة مع نهاية الأبارتهيد.

لكنه يلاحظ أن ظاهرة العنف والإرهاب هي التي اشتدت في المنطقة العربية الإسلامية - ويا للغرابة - بعد تصفية الاستعمار. ولكنه كان ذكياً بملاحظة أن أفريقيا تخلصت من الأبارتهيد بهدوء ملحوظ، بينما يدعم السلام الأميركي الأبارتهيد في فلسطين، وفي أجواء لا توحي بتحقيق السلام، وهذا أهم أسباب الكراهية المتبادلة.

رئيس مركز البحوث العربية والأفريقية - القاهرة

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا