• السبت 09 شوال 1439هـ - 23 يونيو 2018م

الكرة الأرضية تستعيد حقّها

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 يونيو 2018

سليم الربعاوي

«التبـن القديم يصعب اشتعاله.. ويصعب أكثر إطفاؤه».. مثل إسباني.

بعد يوم واحد وتحديداً بداية من اليوم 14 يونيو إلى يوم 15 يوليو القادم، ستنام الكرة الأرضية وتستيقظ على إيقاع الكرة الحقيقية، وما أدراك ما الكرة، هذه الساحرة المستديرة التي جعلها «صانعوها» أداة محبّة وتقارب وتحابب وإلغاء للحدود والمسافات، فيما جعلها آخرون أداة للتباغض والانحراف والتعصّب والسّخط وإلغاء كلّ ما هو جميل في هذا الميدان..

إذن العالم، كل العالم سيتكلّم كرة لمدة تزيد على الشهر، وأكيد أن الاتحاد الدولي «الفيفا» فاته أن هناك بلداناً تتكلّم كامل العام كرة، حتى صارت أدمغة أهلها مدوّرة ومكوّرة وفارغة تماماً مثل الكرة، وأنا على يقين بأنه لو كان الفيلسوف الألماني كارل ماركس حيّاً لتراجع في تعريفه التاريخي للدين واقتنع -ولو بعد فوات الأوان- أن الأديان بريئة من نعرات الإنسان وتوحشه الأبدي تجاه أخيه الإنسان ولكتب بأحرف غليظة أن الكرة هي أفيون الشعوب، وهي أيضاً أمل الشعوب فكلنا يعرف أن هناك أكثر من بلد موجود تحت خط الفقر والنار، وأن ناسه يتنفسون من ثقب قشة يشرب بها غيرهم البيبسي كولا، وأن هذه البلدان تنسى مآسيها وأمراضها وأوبئتها وشبح الموت المحدق بها بمجرّد أن تنط الكرة فوق الميدان في مناسبة دولية مثل كأس العالم..

32 منتخباً يشهد لها التاريخ بأنها من العائلات الكبيرة على الخريطة الكروية العالمية، ستكون حاضرة داخل ملاعب روسيا التي استحالت إلى بساتين ورياض ومتنزهات فتحت أحضان الترحاب لزائريها من عشاق الجلد المكوّر.. لمدة شهر سنعيش حدثاً أشبه بالحلم ولن نستحي من التخلي عن همومنا اليومية وننسى أوجاعنا ودموعنا ودماءنا وسنشد أزر المنتخبات العربية التي ستتحمل مسؤولية الدفاع عن حق العرب في تقرير مصيرهم الكروي على الأقل وسينسى بعضنا يومياته الاجتماعية وسيغلب منطق الكرة على حروب الأحزاب السياسية التي تتآكل صباحاً ـ مساءً على كراسي خشبية، من أجل الاقتراب من حاكم هو محكوم فيه بالأساس..

هي الكرة تلك الساحرة المستديرة القادرة على لجم الأفواه وإنجاز ما عجزت عنه بعض الحكومات لشعوبها، ونحن سنكون أكثر الناس سعادة في هذا الوقت بالذات الذي تستعيد فيه «الكرة» الأرضية حق الكلام عن كرة القدم وستنسى ولو لحين ذلك الكلام الكثير والكبير الذي يقوله بعض الساسة دون تفكير، كما أن الكرة الأرضية ستستعيد ملايينها من «المدربين» الذين تحوّلوا بقدرة قادر إلى «سياسيين» في المنابر التلفزية، وآن لهم أن يتحدثوا الآن بالصوت العالي في الحافلات والقطارات وحتى الجوامع «والبارات»، رغم أنني على يقين بأن الكرة والسياسة خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً.. فأرجوكم لا تحاولوا إشعال النار في التبن القديم، واتركوا لنا هذه المساحة من زمن المونديال لننفس بها عن صدورنا ونلعب فيها كرة القدم.. بعيداً عن كرة الندم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا