• الأحد 09 ذي القعدة 1439هـ - 22 يوليو 2018م

آيات ومواقف

المنافقون يظهرون الإيمان والموالاة للمؤمنين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 19 يناير 2018

أحمد محمد (القاهرة)

خرج عبد الله بن أُبيّ وأصحابه ذات يوم، فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقال مرحباً بالصديق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر رضي الله عنه، فقال مرحباً بسيد بني عدي بن كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي كرم الله وجهه، فقال مرحباً بابن عم رسول الله، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله، ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه كيف رأيتموني فعلت؟، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت فأثنوا عليه خيراً، فرجع المسلمون إلى النبي وأخبروه بذلك، فأنزل الله تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)، «سورة البقرة: الآيات 14 - 15».

قال ابن كثير: إذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا آمنا، أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة، غروراً منهم للمؤمنين ونفاقاً ومصانعة وتقية، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم، وإذا خلوا إلى شياطينهم، انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم، من سادتهم وكبرائهم ورؤسائهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين، ورؤوسهم من الكفر، ومن يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول، قالوا إنا معكم، على مثل ما أنتم عليه، إنما نحن مستهزئون بالقوم ونلعب بهم، ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى جواباً لهم ومقابلة على صنيعهم: الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون، فأخبر أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة، وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به، وهذا إخبار من الله أنه يجازيهم جزاء الاستهزاء، ويعاقبهم عقوبة الخداع، ويسخر بهم للنقمة منهم، ويمدهم في طغيانهم يعمهون، يملي لهم، والطغيان هو المجاوزة في الشيء، يعمهون في ضلالهم وكفرهم الذي غمرهم دنسه، وعلاهم رجسه، يترددون حيارى ضلالاً، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا، لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رشداً، ولا يهتدون سبيلاً.

وقال محمد رشيد رضا في تفسير «المنار»، صيغة الماضي في الآية لتوبيخ أولئك الأفراد وإيذائهم بأن بضاعة النفاق لا تروج في سوق المؤمنين، لأنها مزجاة، وأن استهزاءهم مردود إليهم ووباله عائد عليهم، كان أولئك النفر يدهنون في دينهم، فإذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا بما أنتم به مؤمنون، وإذا خلوا إلى شياطينهم من دعاة الفتنة وأنصار الباطل الذين يصدون عن سبيل الحق بما يقيمون أمامه من عقبات الوساوس والأوهام، وما يلقون فيه من أشواك المعايب وتضاريس المذام، قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون، معكم على عقيدتكم وعملكم، وإنما نستهزئ بالمسلمين ودينهم، فكشف القرآن عن هذا التلون وهذه الذبذبة، وقابلهم عليها بما هدم بنيانهم وفضح بهتانهم، فقال: الله يستهزئ بهم، أنه يمهلهم فتطول عليهم نعمته، وتبطيء عنهم نقمته، ثم يسقط من أقدارهم ويستدرجهم بما كانوا يعملون، ويمدهم في طغيانهم يعمهون، والعمه: عمى القلب وظلمة البصيرة، وأثره الحيرة والاضطراب، وعدم الاهتداء للصواب.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا