• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

مهاجرو فرنسا

الغرابة والهجرة والنزوع الأضحوي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 سبتمبر 2016

محمد نور الدين أفاية

يستدعي الحديث عن الأجنبي أو عن الغرابة ضرورة الانتباه إلى الأهمية الكبرى للاعتبارات النفسية في البحث عن الهوية، والإصغاء، بموازاة ذلك، إلى طبيعة حضور الغير. وإذا كانت «الغرابة» تعبّر عن المأزق الوجودي الذي يعيشه الكتاب المغاربة باللغة الفرنسية، على سبيل المثال، في علاقتهم بذاتهم وبالآخر، فإنه يبدو من المثير الاقتراب من هذه المفارقة من زاوية نظر المهاجر، أي من منطلق تلك الحالة الوجودية التي تجعل الإنسان كائنًا مُعلَّقًا، يعيش انزياحًا دائما بين الأنا والآخر، وتمزقًا بين الهوية والاختلاف. فكيف يتحمل خطاب المهاجر هويته الإشكالية؟ وكيف تتحرك كتابات، أو سلوكات الشباب في المهجر معبرة عن تمزقهم وعن غرابتهم وعن مفارقتهم الوجودية؟

كانت فرنسا بالنسبة للبلدان المغاربية هي «الآخر» الغازي في الفترة الاستعمارية، امتد احتلالها للجزائر 132 سنة، وللمغرب 44 سنة، وتونس أكثر من ذلك قليلا. أحدث الاختراق الفرنسي للتاريخ وللجغرافيا المغاربية اهتزازًا وجوديًا في الكائن المغاربي، خلخل أنماط النظر، بل وخلق رضَّات واقعية في الجسد، وفي البناء النفسي وفي تصورات المغاربيين. وباسم الهوية العربية الإسلامية «طُردت» فرنسا من المنطقة دون أن تنسحب كلية، وقد تم ذلك باسم هوية مناضلة. إلا أنه، وعلى الرغم من هذه المواجهة، خلقت ظاهرة الهجرة إلى فرنسا معطيات شائكة ومُفارِقة، ولدت علاقة صراعية تتميز بتأرجح مثير بين الانجذاب والاستبعاد، بين الرغبة في تبني النموذج الفرنسي وبين الخوف من الفقدان.

وقد أفرزت ظاهرة الهجرة آلياتها الخصوصية عندما أعادت إنتاج ذاتها من خلال الأجيال التي رأت النور على أرض الاستقبال، وبالاختلاط والتمازج تعرضت الذاتية المغاربية، وما تزال، لهزات تاريخية وثقافية مؤلمة، أحيانا، بسبب أبعادها المأساوية. ذلك أن الجيل الثاني أو الثالث يطالب بـ «فرنساته» الخاصة، أي بانتمائه المميز للفضاء الوجودي والثقافي الفرنسي. ولا يكتفي بالمطالبة، فقط، بل يصوغ أنماطا مختلفة من التدخلات المادية والرمزية، قد يتم ذلك من خلال سلوكات عنيفة، كما قد يحصل بواسطة الإبداع. فهناك فن مهاجر «بور» Beur – كما كان يقال في فرنسا في السنين القليلة الأخيرة– هناك سينما ومسرح ورواية وغناء يميز هذه الفئة المغاربية، فأبناء المهاجرين يبدعون أيضا، يكتبون تمزقهم وازدواجيتهم، يتحدثون عن آلامهم وأفراحهم، ويصرخون بتفاصيل «هوية مُقعرة» ومُعلقة. وهم يقومون بذلك لخوض نضال جديد ضد العنصرية المتنامية ورفض الآخر واللاتسامح، بالحركة والفعل والكتابة، محاولين نحت لغة جديدة تبرز طرق اندماجهم في مجتمع الاستقبال أو تظهر تمزق الكائن المهاجر، وتصف غرابته، دون أن تنسى المطالبة بالحق في الانتماء المختلف وفي المواطنة المغايرة.

تمزقات الأنا المهاجرة

تعيش الأنا المهاجرة، في دواخلها الحميمية، مأزقًا حقيقيًا، ذلك أنه، ولخلق المسافة مع الغرابة التي يشعرني بها الأجنبي، ولحماية هويتي النفسية والجسدية من التحطيم، فإنني سوف أذوب في الجماعة التي تؤمن لي بعض الطمأنينة. وبإعادة التضامن مع شبيهي أستعيد الدرع الواقي لهويتي الجماعية التي تساعدني على استبعاد الآخر، الغازي والمضطهد، الذي سأعمل، بدوري، على الانتقام منه، باكتساحه (من خلال التماثل معه)، أو باضطهاده، سواء في هويته الخاصة (الفردية، الجنسية، النفسية، والعائلية)، أو في هويته العمومية (الجماعية، المهنية، السياسية، والوطنية). يواجه الأجنبي هوية جماعية، أحادية الشكل، متضامنة، أو هكذا تبدو في أزمنة التوتر، حين يتطلع إلى اختراق دائرة هوية جماعية غير تلك التي تحمل أصلا. لكي يختلط بالغير ويندمج في الهوية الجماعية المستقبلة، عليه أن يقر، في مقابل ذلك، باحتمال فقدان هويته الأصلية. هنا يجد الأجنبي، المهاجر المغاربي، نفسه أمام اختيار مقلق، فهو إذا رفض التسليم بفقدان هويته الفردية- الأصلية- فإنه يعاند عملية التجانس الجماعي ويتبرم من الانصهار فيه. إنه يتقدم، هنا باعتباره اختلافا في مواجهة هوية جماعية، وباحتلاله فضاء الاختلاف الذي يؤكد مغايرته، ينتزع من الآخر مبادرته ويوجه، بذلك، للهوية الجماعية الفرنسية تحدي هويته الخاصة. وهكذا يموضع ذاته بوصفه آخر المواطن – حتى ولو حصل على الجنسية – وكتهديد، إن لم يكن كعدو للهوية الجماعية المركزية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف