• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م
  12:01     مصادر أمنية: مسلحون يقتلون جنديين شمال لبنان     

تطرح الجائزة العالمية للرواية العربية، التي يجري منحها لعمل روائي بعينه، أكثر من تساؤل بصرف النظر عن مستوى التجربة الإبداعية وعمقها لصاحب هذا الكتاب. وبالتالي فهي تنأى بنفسها عن الرد عليه وتترك ذلك للكاتب والجمهور المعني بهذا العمل الروائي. لطالما سمعنا خ

العمل الفائز.. تموضعات ودلالات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 مايو 2015

جهاد هديب

كبرنا في الخسارات

أحمد المديني

لا يضعني كون «ممر الصفصاف» تطوير لكتابة روائية بدأت في السبعينات أمام سؤال، وإنما إزاء طرح نقدي شمولي، وبالتالي يبقى نسبيّ العلاقات، متفاوتَ الحدود والدلالات. فكتابتي السردية، الأدبية عامة، ارتبطت بحركة التجديد التي انبثقت في خضم السبعينات الماضية في عديد بيئات عربية، من وحي حاجة وطنية، وبتفاعل مع تيارات وموجات تحديث في الثقافة والآداب الغربية، وشملت ميادين مختلفة، وتبنت كلها عناوين وشعارات خفاقة، تحلم بالتغيير على كل الصُّعد. وإذا كانت السياسة هي أداة تغيير شروط عيش الناس وتدبيره، حسب أهدافها، بوساطة الوصول إلى الحكم، فإني اعتبرت أن تعبيري عن نفسي، بصيغة الذات، المشتبه في شرعيتها عندنا من أسف، بوساطة اللغة، عربيتي الأثيرة، لسان أمتي وفطرتي، ومجال تنفسي، انتقلت بها إلى اللعب في مضمار وجدته الأقرب إلى ذوقٍ واستعدادٍ ما لبثا يتكونان ويتبلوران، صُعدا، بتجاوب مع حركة الواقع، ونبض هذه الذات، وفي خضم لا يفهم القول إلا غاضبا، تقوله لغةٌ فوّارة، ومجازٌ محلق في أعلى سماء، بصُور لا تحصيها الأسماء، كم تحتاج من ألوان واستعارات.

بعبارة أخرى، ولدتُ، كما نرطن اليوم: «تجريبيا»، أي متمردا على الأشكال، لم أفطن وقتها أن كل أدب هو تجريبي في جوهره، بما أنه ينزع إلى الإبداع، من موقف رفض لنَسَق سابق، ثم ينتقل النضج والوعي بصاحبه تدريجيا إلى موقف معرفة ما يريد وبأي وسيلة، وكيف، ما أسلمني شيئا فشيئا إلى خطة كتابة القصة القصيرة والرواية بطريقة أو أساليب تغلبت فيها الروح والعبارة الشعرية والرؤية التجريدية في البداية (السبعينات) إلى نزوع نحو تشكيل العوالم السردية بمقاربة ومن منظور أكثر (موضوعية) وأميَل إلى التشخيص والحضور المادي للإنسان والأشياء، بينهما قضية، دلالة، كلما كمنت بدت أكثر قوة ومعنى، لا صراخا. فنحن الكتاب العرب كلنا أبناء قضية، مخاض أحلام وأوهام، كبرنا في الكبح والخسارة ولن نكف عن غواية الأحلام، أو أننا عدم. لذلك مصير التجديد، سمِّه ما شئت تحديثا، حداثة، للإنسان والواقع والتعبير، هو المصير الممكن فقط، فاتجهت كتابتي السردية، وقد خضت مع غيري غمار تجربة ثقافية وإبداعية وأكاديمية مختلفة بين المغرب والمشرق العربي، ثم الغرب الأوروبي، تكوينا وتدريسا، وكذا تجربة عيش بطعم مغاير حقا(عبرت عنها في نصوص منفتحة «نصيبي من باريس» (2014) مثلا)؛ وكان قد أصبح ورائي رصيد روايات، اتجهت إلى مراجعة أدوات كتابتي وشحذها في ضوء موهبة صُقِلت، وذائقةٍ نُخِلت، وثقافة نقدية أكاديمية حُكِّكت، وخصوصا فهمٍ لما يمكن للسرد، للرواية أن تتأهل به كجنس أدبي في عالم يبدو أكثر فأكثر حافلا بالتناقضات، ومعتركا للأزمات والمصائر المتضاربة، يبحث فيه الإنسان والجماعات عن خلاص شبه مستحيل، فتتعمق المأساوية، ولا يطفح الحلم ـ الخلاص إلا باللغة، كأن الجمال، ذلك المثال الأزلي والهارب من زمن الأسطورة، ما زال ممكنا. هنا أي منذ السنوات الأخيرة، أصبحت الرواية، بعد أن أخفقنا أو خفت الهمس الشعري بالأحرى فينا، هي سيدة التعبير في أدبنا العربي، نواصل ريادة شيخنا نجيب محفوظ، وجيل تبعه ممن عبدوا لنا الطريق، وندين لهم بكثير، متنقلين بين وجوه وصور وأفهام ومعان، بين دوال ودلالات، إلى أن وصلناـ ربما وصلتُ إلى عتبة الرواية المنشودة لدي، ولا أعرف إن كان نصي يستحقها، وهي تمثل خميرة الواقعي والشعري، وتزوج الآني بالجوهري، ويتفاعل فيها مصير الفرد بالوجود، وتفهم التجديد وتنسجه لا صرعة وإنما مرتكزا وقيمة، وتيمة جمالية ودلالية متآزرة، جغرافيته الأدب مطلقا، من قلب الانتماء إلى مدونة الرواية العربية. وأنا ما كتبت آخر رواية «ممر الصفصاف» مفكرا في جائزة، كما أني أجهل تماما مواصفات ومقاييس الكتابة على هذا الأساس (أي أساس؟!) وإنما لوجه الفن، لأصحح زعما خللا ما، وربما أزين اللوحة بلمسة، بلون، بنكهة، فلا نرضى عنها أهل الدراية في فن الرواية ممن عرضت عليهم وتُعرض، تا الله، إذن، أيّ مجد هذا، وقد عَظُم القصد!

وفي صدد «ممر الصفصاف» في سياق تجربة إبداعية وجمالية؛ فالحال، أنه يتعذر حقا على الكاتب أن ينشئ عمله، ويصنفه، ويقومه. هما عمليتان مختلفتان تماما، والتعليق مهمة القراءة والنقد، وما يصدر من المؤلف حاشية تؤخذ على سبيل الاستئناس، وإلا فالنص هو المرجع أولا وأخيرا. ولكني أقول إن هذه الرواية، إذ تندرج في سياق مشروع منتظم، لسردية بدأت تجريبية، منفلتة العقال من القواعد، تمرح فيها اللغة وتشطح الصورة والاستعارة، وتتداخل الأنواع مخترقة بعضها بحثا عن» نوع متميز». ثم في خط البحث هذا انتبهتْ إلى هفواتها، منها تضخم أنَويتها السردية فطفقت تنتقل إلى تذويت موضوعي، في خط البناء والتصوير الناظم لوضع مجتمعي، وفردي، مقهور وموتور. هي سردية سعت إلى تأهيل الرواية باللغة والوسائط الجمالية، كي تعبر عن الالتزام الاجتماعي والهاجس الذاتي ـ الإنساني، بعد أن طفح كيل الجمالي أولا. «ممر الصفصاف» أعدها أخيرا، ومعي، تصور نقدي مصاحب، تعديلا للمسار بنزعة تبئير الشاغل الروائي (الرومانيسك)، تنتظم فيه خواص وفاعلية الرواية الموجبة لجنسها، وتتعداه إذ تتفتح داخله، وتتضاعف، وتمنح تلقيا متعددا، عسى تنتزع بعض فرادة مطلوبة، أي ما يمثل منظور وأسلوب وفكر مؤلفها، من زاوية وضع فرد، وجمع يتفرد، منه تولد وترسم وتتشخص وتتنامى كل المكونات وتتفاعل ذاتا وموضوعا، حقيقة وخيالا، مادة وتخييلا، بل وإنسانا وحيوانا، في قلب بؤرة صراع الإنسان من أجل حق الوجود فقط، فكأن الرواية تغدو الأرض الوحيدة المتاحة لهذا الوجود، ينشد كاتبها بالفن صنع معادلة الممكن والمستحيل!

أما عن هذي الجائزة والفوز بها، فلنأخذ الأمر ببساطة. الكاتب، ككل خلق الله يبحث عن الاعتراف بما يعطي، إن كان موهوبا ومتفوقا حقا ومخلصا لعمله، خاصة. واعتراف الوسط هو تقدير لهذه الموهبة، ودليل على سمو نظرته للعطاء الرمزي، وهما غذاء روحي للكاتب، وقد تلبي حاجة مادية ملحة. فمرحى بالجائزة في مكانها، ولمن يستحقها. وهذه الجائزة بالذات، إذ تنسجم مع هذه الاعتبارات، تملك مصداقيتها الأدبية كأقوى جائزة تثمن الرواية في العالم العربي، وهو المعوَّل عليه، خاصة وقد أصبحت هذه الكتابة نهبا لكل عابر أو عابرة سبيل؛ إنها الجائزة، ولكم أتمنى أن تكون معي في الميعاد. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف