• الثلاثاء 05 شوال 1439هـ - 19 يونيو 2018م

عاش مهمشاً في النهار.. معزولاً في الليل

هنري دارجر.. الشهرة بعد الموت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 يونيو 2018

محمد عريقات (عمّان)

يقول الكاتب والشاعر الفرنسي أدموند جالو (1878 ـ 1949) بأن «الكتابة فعل حر لا ضرورة لها سوى متعة المؤلف»، لكن السلوك العام عند بعض الكتاب لا يوحي بذلك، فالكتابة لديهم مصدر يستمدون منه نرجسيتهم وحب الظهور والشهرة. ومن هؤلاء -على سبيل المثال- الروائي الفرنسي مارسيل بروست (1871 ـ 1922) الذي كان ينفق من ماله الخاص للنقّاد والصحفيين مقابل نشر مقالات ودراسات تشيد بأعماله الأدبية، ويقال بأنه كان يكتب بنفسه مراجعات تمتدح كتبه ويرسلها للنشر باسم ناشر كتبه، كما أفاد تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية. عربياً النماذج كثيرة ومكشوفة لمؤلفين اتبعوا أسلوب بروست، ولا مجال لتعقبهم، إنما الهدف هم أولئك الذين يرون الكتابة من وجهة نظر جالو، الأدباء الغارقون في الوحدة والانطواء ولم يعلن عنهم ولا عن أدبهم سوى المصادفة.

من الممكن القول بأن الأديب والرسام الأميركي هنري جوزف دارجر (1892- 1973) من أكثر الأدباء بعداً عن الأضواء، ومن أكثرهم وحدة وانطواء على الذات، وتكتماً على منجزها الأدبي قاطبة، فقد أمضى دارجر سنوات عمره ولا أحد غيره يدري بتلك اللوحات والملاحم والروايات التي كان يبدعها.. 81 عاماً وهو يعمل بصمت حارساً ليلياً لا يلقي له أحد بالاً في إحدى مستشفيات شيكاغو، وكان قد عمل لسنوات في شركات التنظيف، يقضي نهاره صامتاً غارقاً في روتينية عمله إلى أن وصل سن التقاعد، ويقضي ليله في التأليف أو الرسم بلا أهل أو أصدقاء.

لم تكن طفولة دارجر أفضل حالاً من شبابه وكهولته، إذ فقد أمه في سنواته الأولى وعاش يتيماً في كنف والد يعاني من إعاقة جسدية، بالإضافة لوضعه المادي السيئ، وكان حنوناً محباً لابنه وفقاً لما قاله دارجر عنه، ولم ينفصل الابن عن أبيه إلا حين استدعى وضع الأب أن ينقل إلى بيت للعجزة ما لبث أن مات بعدها بسنوات قليلة، حيث كان دارجر يقيم في بيت للأيتام اضطرت إدارته إلى نقله إلى مشفى نفسي خاص بالأطفال محدودي التفكير. وعن تلك الفترة كتب دارجر في مذكراته يبين أن أسباب مشكلاته آنذاك «كانت نابعة من قدرتي على استبصار كذب الكبار وبالتالي انزعاجهم مني لذلك السبب».

وفي غرفته التي استأجرها لما يزيد على 30 عاماً، أنجز دارجر عدداً من الأعمال الأدبية المستمدة من عوالم غير واقعية، أبرزها عمله الأدبي المعقد «قصة بنات فيفيان» العمل الذي ضمّنه مئات اللوحات المائية، والتي جاءت بما يزيد على 15 ألف صفحة خطها بيده، اكتشفت، مع سائر الأعمال الأدبية والفنية الأخرى للمرّة الأولى، بعد موته حين قرر صاحب البيت تنظيف الغرفة والتي ظنّ بأنه لن يجد غير القمامة بها، ولكنه عثر على كنز أدبي وفني نالَ شهرة واسعة في أوساط النقّاد والقراء في أميركا والعالم أجمع، جعلت من دارجر واحداً من أشهر كتّاب القرن العشرين.

وبذلك يكون هنري دارجر وسيرته الحياتية والأدبية مثالاً صادقاً وحقيقياً لمقولة آدموند جالو: «الكتابة فعل حر لا ضرورة لها سوى متعة المؤلف».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا