• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

عنف بالتيمور.. وأحياء أميركا المنسية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 04 مايو 2015

بيتولا دفوراك - بالتيمور

إذا كان لأحد أن يفهم حالة العنف التي شهدتها مدينة بالتيمور الأميركية على مدى الأيام القليلة الماضية، والتي نقلت صورها وسائل الإعلام إلى العالم، فلا مناص من العودة، بل والانطلاق من الحي والشارع الذي ألقي فيه القبض على الشاب الأسود «فريدي جري» واحتجازه في مخفر الشرطة قبل أن يلقى حتفه بعد أسبوع بين أيديهم. فالحي ببناياته التي تفتقد لأية ملامح عمرانية، وبأمكنته الكئيبة، يعد إحدى أكثر المناطق فقراً في بالتمور. فالقمامة متناثرة على أرصفة الشوارع في حي ساندتاون- وينشستر، فيما الإشارات الوحيدة التي تبدو على شريط العشب الضيق بين المنازل والشارع هي عبارات المنع على شاكلة «ممنوع اصطحاب الحيوانات الأليفة، وممنوع لعب الكرة». وإذا كانت وفاة الشاب الأسود تثير مجدداً أسئلة صعبة حول عنف الشرطة إزاء السود في أميركا وتعاملها القاسي مع الناس، فإنها أيضاً تلقي الضوء على مشكلة أخرى تتعلق بالحالة التي وصلت إليها بعض المدن الأميركية، وفي حالتنا هذه مدينة بالتيمور التي تعتبر كبرى مدن ولاية مريلاند.

فقد نشأ الشاب «جري» وترعرع في الجزء الغربي من المدينة التي قضى فيها سنواته الـ25، وكان أيضاً المكان الذي تعرض فيه جسده إلى عنف أفضى على الأرجح إلى وفاته بعدما ظل محتجزاً لدى الشرطة منذ اعتقاله في 12 أبريل الماضي. وما أن ذاع خبر وفاته حتى سارع بعض الأهالي إلى إشعال الشموع ووضع أكاليل الورود في المكان الذي اعتقل فيه، حيث عبر الناس عن أسفهم لما آل إليه الوضع، والنهاية المأسوية لشاب اعتقل لسبب تافه، وهذا ما عبر عنه تشالز توماس البالغ من العمر 63، الذي عاش في نفس الحي لتسع سنوات، قائلاً: «كان الشاب يعرج من إحدى رجليه، وأعتقد أن المسكين قضى بسبب إصابة بليغة في العمود الفقري»، وأضاف قاطن الحي توماس «إن الوضع في هذا الحي أشبه بقانون الطوارئ، ومع أني أفهم الأعباء التي تثقل كواهل رجال الشرطة، إلا أنهم لا يعرفون الحي ولا سكانه». بيد أن هذا الجهل بالحي المنسي في مدينة بالتمور بات حديث الساعة في أميركا وخارجها بعد صور العنف التي عرفت طريقها إلى العالم، فقد تحول الحي على مدى الأيام الماضية التي اشتعل فيها العنف إلى مقصد لشاحنات البث التلفزيوني، وإلى مكان تجمع المئات من المشيعين لجثمان الشاب القتيل، فضلاً عن حضور مسؤولين كبار من البيت الأبيض.

وبعد تأكد وفاة الشاب انطلقت أعمال عنف، مستهدفة رجال الشرطة الذين ألقيت عليهم الحجارة، وأحرقت سياراتهم، احتجاجاً على مقتل الشاب في قبضتهم. وعندما حاولت معرفة مشاعر الشباب اليافع المنخرط في العنف تلقيت جواباً عملياً عندما ألقى بي أحدهم أرضاً في خضم التدافع الذي وقع في الشارع الرئيسي، ليأخذ آخر هاتفي المحمول، ولكن وأنا على تلك الحال جاء شاب آخر ليساعدني على الوقوف ويأخذني إلى مكان آمن في تعبير واضح على الالتباس الكبير في الموقف بين العنف والرغبة في وقفه. وعلى رغم خطورة الوضع في الشارع وتفاقم العنف لم أستطع كبح سؤال ملح عما إذا كان هذا الدرس الذي تعيشه المدينة سيؤدي إلى تغيير ما في وضعها، وهو سؤال طرحته على «سارة تشيسنان» التي تقطن في الحي منذ عام 1971، فأجابت بقولها «لا أعتقد أن العنف الحالي سيغير الوضع، لم أرَ أي جديد منذ قدمت إلى هنا قبل سنوات بعيدة».

والحقيقة أن الفقر المدقع وحالة الانهيار العام التي تعيشها أحياء المدينة الهامشية يختلف كلياً عن مواقع الجذب السياحي في المدينة، والمشاريع العمرانية في أجزاء أخرى منها اعتبرها المعهد الأميركي للمهندسين المعماريين في عام 1984 «أحد أهم الإنجازات الحضرية والعمرانية في التاريخ الأميركي المعاصر». وعلى رغم المعالم المهمة التي تزخر بها بالتمور مثل «المعرض الوطني للحياة المائية» ومركز العلوم لولاية مريلاند، والمركز التجاري الذي يطل على الواجهة المائية، تبدو الأحياء الأخرى مثل «ساندتاون» وكأنها من عالم آخر، حيث يسود الفقر والتهميش ومعهما يتصاعد إحباط الناس الذي لا ينتظر سوى حادثة مثل مقتل شاب أسود ليخرج عن السيطرة ويعبر عن نفسه بالعنف الذي شهدناه مؤخراً.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا