• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

عندما نضع معايير العولمة، يجب أن نتأكد من أننا نستفيد من خلق مناصب العمل لقوانا العاملة، إلى جانب تحقيق مصالح المستثمرين

ألمانيا.. سوق العمل الذكية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 03 مايو 2015

«السياسة ليست إلا أداة لتجميد السلطة»، هذا ما يقوله دافيد رولف، أحد كبار مسؤولي اتحاد العمال في سياتل، والمشرف على إطلاق الحملات الناجحة الأولى لرفع الحدّ الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً للساعة الواحدة. ووفقاً لهذا الطرح، يمكن القول إن المشكلة التي تعاني منها السياسة التجارية للولايات المتحدة خلال فترة ربع القرن الماضية تكمن في أنها عكست الخلل المتنامي في تقاسم السلطة والنفوذ بين المستثمرين القادرين على جني العوائد من الأسواق العالمية من جهة، وبين العمال الذين فقدوا المؤسسات التي مكّنتهم ذات يوم من تطوير وظائفهم والرفع من مداخيلهم، من جهة ثانية.

ومما زاد الأمور سوءاً أن دخول الصين والهند ودول الكتلة السوفييتية السابقة سوق العمل الدولية، زاد من الضغوط الواقعة على الوظائف والأجور في الدول الصناعية المتقدمة كلها. وفي الولايات المتحدة على نحو خاص، كان الضغط قوياً وواسع الانتشار. وقد جاء في تقرير نشرته العام الماضي مجلة «نظرة على الاقتصادات والإحصائيات» التي تصدر كل شهرين في واشنطن، أن كثيراً من العمال الأميركيين خسروا وظائفهم بين عامي 1984 و2002 بسبب ظاهرة العولمة كما انخفضت أجور الباقين بين 12 و17 في المئة. حدث ذلك قبل ظهور الثقل الكبير للمنافسة الصينية التي تركت أبلغ الأثر على قطاع التصنيع في الولايات المتحدة ودفعت 55 ألفاً من المصانع الإضافية على غلق أبوابها.

إلا أن العولمة لم تكن تنطوي على مثل هذا المظهر القاتم في كل الاقتصادات المتطورة. وألمانيا مثلاً، شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة، هي موطن لعدد كبير من المصانع الشهيرة مثل «فولكس فاجن» و«دايملير» و«سيمنز»، والكثير غيرها، وتنتشر فروعها في الكثير من دول العالم. إلا أن الفرق المهم يكمن في أن ألمانيا تتمتع بأكبر فائض تجاري على مستوى العالم فيما تعاني الولايات المتحدة من أضخم عجز تجاري في العالم. والشيء المثير للانتباه أكثر هو أن عمال القطاع الصناعي الألمان يتميزون بإنتاجية أعلى من نظرائهم الأميركيين. وقد بلغ معدل أجورهم عن الساعة الواحدة 46 دولاراً في عام 2012، أو أكثر بنحو 10 دولارات من معدل الأجور في الولايات المتحدة وفقاً لاستطلاع أجرته وزارة العمل الأميركية.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن هذا التفوّق التجاري الألماني يعود بشكل جزئي إلى القيمة السعرية المنخفضة لـ«اليورو» عند تحديد أسعار السلع والبضائع الألمانية. إلا أن الاختلاف الأساسي بين الخبرة الألمانية في التعامل مع ظاهرة العولمة وخبرتنا نحن الأميركيين يأتي نتيجة الخلل ذي الدرجات المتفاوتة في تقاسم السلطة بين رأس المال وسوق العمل. والآن، تتمتع منظمات العمال في ألمانيا بسلطة لطالما أبهرت نظيراتها في الولايات المتحدة. ويوم الثلاثاء الماضي، قابلت ثمانية من قادة «اتحاد العمال الصناعيين الألمان» وخلصت من هذا اللقاء إلى أن هذا الاتحاد هو الأكثر قوة في العالم أجمع. وكما هي حال العمال في كافة دول العالم الصناعي المتقدم، لم يتمكن العمال الألمان من وضع حدّ لظاهرة التراجع التي تشهدها بعض صناعاتهم القديمة. ويقول «هورست موند» مدير الاتحاد: «إننا نفقد الوظائف كل يوم في صناعة الحديد والصلب وبناء السفن»، إلا أن خبرة الألمان في صناعات أساسية أخرى مثل السيارات والطيران والفضاء والإلكترونيات والقطارات السريعة والتكنولوجيات الدفاعية، تختلف كل الاختلاف عن الحال في الولايات المتحدة.

وتركّز الاستراتيجية التي تتبناها اتحادات العمل الألمانية على السماح للشركات الألمانية المنتشرة في العالم بتوظيف العمال ذوي الكفاءات المتدنّية في البلدان ذات الأجور المنخفضة مع التأكيد على الاحتفاظ بالعمال ذوي الكفاءات الأعلى داخل ألمانيا. ويقول راينهارد هان القائد العمالي وعضو مجلس إدارة شركة «سيمنز» إن الاتحاد العمالي ومعه الشركات الألمانية لا يتوقفان عن تطوير طرق الإنتاجية. صحيح أن العمال في الصين هم الذين يتكفلون بأعمال التجميع النهائية للطائرة التجارية المتوسطة «إير باص إيه 320»، إلا أن ذلك لا يشكل إلا ما بين 3 و5 في المئة من القيمة الإجمالية للطائرة. وذلك لأن القطع والأجهزة التي تنطوي على الدقة التكنولوجية العالية تصنع في ألمانيا من طرف مجموعة شركات صغيرة ترتبط بالسلسلة الإنتاجية العالمية عبر الاتحادات العمالية الألمانية التي تنضوي تحت لوائها. وستفتتح شركة «إيرباص» قريباً مصنعاً للتجميع في ولاية آلاباما، وهذا يعني أن العمال الأميركيين لن يتنافسوا هذه المرة في مدى كفاءتهم التقنية مع الألمان، بل مع العمال الصينيين وفي قطاع أعمال التجميع النهائية.

وعندما نضع معايير العولمة، يجب أن نتأكد من أننا نستفيد من خلق مناصب العمل لقوانا العاملة إلى جانب تحقيق مصالح المستثمرين.

هارولد مايرسون - واشنطن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا