• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

العالم العربي يقفز في منحدر جديد من التردي الاجتماعي والثقافي المُحير، والذي لا تفسير له إلا طوفان المحافظة والقبلية والتدين السمج والأخلاقوية الإسلاموية المتعالمة على فضاء مجتمعاتنا

النساء: «الشرف السمج» والقيعان المتلاحقة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 04 سبتمبر 2016

د. خالد الحروب*

أنا خالد ابن ميسر، زوج خلود، ووالد ميس، وشقيق نجاح، ومحب ستي فاطمة وعمتي مريم وخالتي زريفة، أضم صوتي إلى أصوات غالبية الفلسطينيين والعرب الذين استنكروا التفاهة التي فوجئنا بها في بعض القوائم المتُنافسة في الانتخابات البلدية الفلسطينية، والتي تُخفي أسماء النساء وتغتالهن وهن أحياء بنسبتهن إلى أزواجهن أو أشقائهن. وأعلن بهذه المناسبة انتسابي باعتداد إلى كل النساء الرائعات اللواتي كن سبب وجودي ونجاحي، وأتباهى بالتغني بأسمائهن، وذلك توكيداً، مع ملايين غيري، على الرفض الشديد للسماجة المتزايدة التي «تخجل» من ذكر الأسماء الصريحة للنساء.

عدد من القوائم الانتخابية أحجمت عن ذكر أسماء المرشحات النساء فيها، وعوضاً عن ذلك عمدت لنسبتهن إلى أزواجهن أو أشقائهن، مثلا: المرشحة زوجة السيد فلان، أو المرشحة شقيقة السيد علان. نفس الممارسة البشعة رُصدت أيضا في قوائم الانتخابات البرلمانية الأردنية. ويعود قصب السبق، على ما أعتقد، في ترسيم أول «إبداعات» هذه الظاهرة إلى الأحزاب السلفية المصرية خلال انتخابات ما بعد ثورة يناير 2011، عندما استبدلت رموز القبعة أو الملعقة أو البلوط بأسماء وصور المرشحات على القوائم السلفية.

منذ أكثر من عشر سنوات كتبتُ عن «أركيولوجيا القيعان المتلاحقة»، وفيه قلت: كلما اعتقدنا بالوصول إلى القعر نكتشف أن هناك قيعاناً أخرى تتلاحق بانتظارنا. الوصول للقعر الحقيقي والأخير صار منتهى أمانينا. «العبقري» الذي جاء بفكرة مبتكرة جديدة لوأد النساء، غير الأفكار والأساليب الكثيرة الموجودة والممارسة بشكل يومي، وتتمثل في اغتيالهن معنوياً واسمياً، يستحق وسام الانحطاط نحو القعر الجديد. نقفز منحدراً جديداً من التردي الاجتماعي والثقافي المُحير، والذي لا تفسير له إلا طوفان هذا الخليط العجيب من المحافظة والقبلية والتدين السمج والأخلاقوية الإسلاموية المتعالمة على فضاء مجتمعاتنا. الجديد في هذا التردي أنه مُقحم على سياق المجتمعات العربية لجهة عنف الاغتيال المعنوي الذي يصل إليه. ليس هذا معناه أن مجتمعاتنا قديما وراهنا وفرت بيئات وردية تسير الإناث على حرير دروبها، بل المسألة هنا هي عمق درجة التردي. ثم، وعلى ما في هذه المجتمعات من قمع مُستبطن ضد المرأة، فقد بقيت مساحات ضوء هنا وهناك يتسلل منها الوجود النسوي سواء أكان ممثلاً في رائدات وقياديات أو مبدعات فرضن أنفسن على الفضاء المجتمعي رغم قيوده وإكراهاته.

اليوم يشتد عواء الغوغاء في فضائنا الحزين ويستهدف المرأة ضمن من يستهدف: المرأة أصل الغواية، وأصل الفساد، وأصل الفضيحة، وأصل نقصان العقل والدين، وأصل كل الرذائل. كل ما فيها مُخجل للذكورة التافهة حتى اسمها يجب أن يختفي أو يُخفى. في فلسطين التي نتباهى بصور رائدات الثقافة فيها، في حيفا ويافا والقدس ونابلس وغزة، بما في ذلك صور الفرق الرياضية النسوية، قبل انزراع الكيان الغريب في أرضنا، نتلقى صفعة إثر أخرى: مِن قتل الشرف بدعوى الدفاع عن الشرف، إلى القمع اليومي المتواصل للإناث، وصولا اليوم إلى إخفاء أسماء النساء في القوائم الانتخابية! في عقود النضال ضد المشروع الاحتلالي الكولونيالي ترصعت سماء النضال الفلسطيني بأسماء قائمة طويلة من القلائد النسوية؛ من ليلى خالد ودلال المغربي وعائشة عودة، إلى وفاء إدريس وآيات الأخرس وهنادي جرادات، عدا عن عشرات الألوف من أمهات المخيمات وغيرهن من الجنديات المجهولات. في ساحة العمل الوطني تتكاثر القلائد عن القدرة على التعداد في كل مجال من المجالات، ومع ذلك لا ترى فيهن الذكورة المنتفخة سوى «قنبلة العار الموقوتة».

* أكاديمي وكاتب عربي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا