• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

خبز وورد

ذاهب كي أرى العالم

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 03 سبتمبر 2016

مريم جمعة فرج Maryam.Juma@alIttihad.ae

قراءة تحيلك إلى أخرى هي الأكثر متعة، وبعضها يعيدك إلى الوراء لتكتشف أشياء لم تكتشفها في تلك اللحظة التي قرأت فيها الكتاب نفسه. لا تدري كيف يمكن أن يحيلك الكاتب «فلاديمير بروب» منظر «الحكاية العجيبة» إلى كاتب مثل «هيرمان هسة». لا شيء ساعتها يدور في ذهنك سوى حكايته العجيبة، عالم في قصة كأنك تنتمي إليه، فيما هو لا ينتمي حسب «كولن ولسون» إلى عالم لا يمكنه تصوره لفجاجته.

كاتب جميل لم يتحمل فجاجة البرجوازية والرأسمالية الصناعية المتوحشة بداية القرن المنصرم، وكان مجرد بائع كتب بسيط استغرق في البحث عن نفسه فلم يجدها في الواقع، فأخذه البحث إلى تخوم شيء شبيه بالواقعية السحرية وأشياء أخرى إنسانية ربما استلهمها أثناء تريضه في الفلسفة، الشرقية الهندية والصينية كما تبدو جلية في تقاطعها مع الفلسفة الغربية، كي ترمي بثقلها في استدلاله على الحكايات الخرافية. و«حكايات خرافية» التي يدخل هسه عليها كمصطلح تعديلاً لتختلف عن معناها التقليدي ميثولوجيا إنسانية، تكفي لذكرها هذه العبارة من قصة «حلم الفلوت» إذ يقول: «أنا ذاهب كي أرى العالم». العبارة يقولها عندما تسأله الفتاة «بريغتي» التي تخرج من الغابة البعيدة لتسأله عن الحب، وعندما يفترقان يلتقي عجوزاً عارفاً يجلس في قارب يبدو كما لو أنه ينتظره ليسمعه أغنية عن الحب ولكنه يخبره بأن عليه أن يتحرك دوماً إلى الأمام ليكمل رحلته ’إن أراد أن يسبر العالم‘.

وربما تكون صورة العالم هذه قد اكتملت برمزية مثلما يؤكد هسه في قصة «الأوروبي» فقبل أن تتدخل الإرادة الإلهية وتضع نهاية للحرب «الطوفان الكبير» كان العالم كله يغرق «والأوروبي الوحيد الباقي على قيد الحياة اندفع في الطوفان على زورق نجاة، واستخدم كامل طاقته ليدون أحداث الأيام الأخيرة، وذلك لكي تعرف الإنسانية القادمة أن مسقط رأسه هو الذي صمد أكثر من أعدائه». هذا الشعور سرعان ما يقضي عليه عزم «البطريرك القديم» صاحب القارب العملاق على إنقاذ الجنس البشري من الفناء دون استثناء، وهكذا تقول الرواية أن هذا الرجل غير سار ولكن «جميعكم تملكون الكثير لكي تسامحوا هؤلاء الرجال البيض. إنهم الذين دمروا أرضنا المسكينة وجعلوها محكمة جنائية. أنتم جميعاً، أيها الأفارقة والهنود وسكان الإسكيمو جميعاً معكم زوجاتكم العزيزات من أجل الحياة الجديدة على الأرض». هكذا أعادت ثورة مهمش مثل هسة تشكيل العالم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا