• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

تعلمه من جده الذي لم يغادر غرفته

آلبير قصيري.. أمير الكسل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 سبتمبر 2016

ترجمة - أحمد عثمان

في فيلا قديمة تقع في إحدى مدن دلتا النيل (مدينة المنصورة)، ثمة عائلة تمضي نهاراتها في النوم، وتستيقظ وقت الغداء. الأخ الأكبر، جلال، الكاهن الأكبر للنعاس، يدخل مترنحاً إلى صالة الطعام، مرتدياً منامة قذرة. قال البعض إنه فنان. «لماذا صحوت؟»، هتف برعب. عمه وأخواه ملتفون حول (طنجرة) عدس. الأوسط، سراج، العينان نصف مغلقتين، يحلم سراً بالتحرر من الكسل العائلي والقيام بما لا يمكن تصوره (إيجاد عمل) ربما في المصنع الذي يبنى بالقرب من هنا. ولكن على مدار نزهاته الاستكشافية (لا يستطيع أن يمنع نفسه من النوم في الطريق)، يكتشف هيكلاً صدئاً. الأب العجوز حافظ، لا يخرج أبداً من غرفته، وإنما يفكر في مشروعه الجديد المتعلق بالبحث عن زوجة جديدة وهو في هذه السن. رفيق، الأصغر، يجب أن يكون مستيقظاً وقت القيلولة لكي يقتل الخاطبة التي تدبر المؤامرات حتى يتسنى لها إدراج هذه العدوة، عدوة النوم، إلى عرينهم. مجبراً على عدم النوم، يناضل رفيق ضد التيار في النهر الخطير. «من وقت إلى آخر، وبجهد عظيم، يتحرر. يرفع رأسه ويتنفس بعمق. ثم، من جديد، يجد نفسه غاطساً في هوة الطلاوة المتلاشية. فيض النعاس الكبير والمغوي يغطيه كلياً».

ولد آلبير قصيري في 3 نوفمبر 1913، في حي الفجالة، بالقاهرة، في بيت لبناني - سوري ثري ينتمي إلى الروم الأورثوذوكس، قال عنه في حوار صحفي: «أريد أن أقول لكم إن هذا الإطار، هذا البيت، كان عائلتي، إنه متخيَّل بالتأكيد؛ بيد أن والدي لا يعمل، وبالتالي ينام حتى الظهيرة. أخواي لا يعملان أيضاً. لا أحد يعمل. في الحقيقة، ننام. إذا سمعنا ضوضاء خارج البيت لا أحد يتحرك لرؤية ما يجري، حتى وإن كان هناك لص».

الكسل، حسب قصيري، هو الشيء الوحيد الذي لقنه والده سليم، له. سليم المولود في نهاية القرن التاسع عشر في قرية قريبة من حمص، هاجر إلى مصر، حيث امتلك مزارع وعقارات في أرض الدلتا الخصبة. وفيما كان القطن والبلح والبطيخ ينمو في المزارع، كان سليم يقرأ الجريدة وينام القيلولة.

كبر آلبير تحت جناح جده، الذي كان يحيا معهم في الفجالة. ذات يوم، قرر الجد أنه لن يغادر غرفته، ليس لعجزه، وإنما لأنه لم يعد يرغب في ذلك. حينما كان آلبير يحمل الطعام إليه، كان يجده بعصابة سوداء على عينيه، لكي يتحصل على العتمة الكاملة. أحياناً، كان الجد ينسى أنه يرتديها.

آلبير، الابن الأصغر، يستيقظ في السابعة صباحاً للذهاب إلى المدرسة، في البداية مدرسة الجيزويت ثم «فرير دو لا سال»، وأخيراً الليسيه الفرنسية. بدأ يكتب أولى رواياته وهو في سن العاشرة. في السابعة عشرة من عمره، نشر ديوانه الشعري «لدغات»، الذي يدين فيه بالفضل إلى شاعره الأثير بودلير:«كنت وحيداً كجثة جميلة، في النهار داخل القبر»، هكذا كتب في «نشيد إلى الليل». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف