• الجمعة 02 شعبان 1438هـ - 28 أبريل 2017م

أقام في بطون الكتب ليكون سيّد صوته

لوركا.. «مصاص دماء» ما يَقرأ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 سبتمبر 2016

د- محسن الرملي

أصدر أكبر شعراء غرناطة الأحياء، لويس غارثيا مونتيرو (مواليد 1958)، كتاباً نادراً وقيماً عما كان يقرأه أكبر شعراء غرناطة الأموات فدريكو غارثيل لوركا (1898 – 1936)، وجاء الكتاب في 256 صفحة، وسرعان ما نفدت طبعته الأولى، فسارعت دار نشر تاوروس الإسبانية بإعادة طبعه، ضمن سلسلتها الفكرية، لأنه كتاب يعتمد التحليل والدراسة أكثر من انشغاله بالتوثيق، وبغلاف مختلف، وضعت عليه إحدى عبارات لوركا بشأن القراءة: «لو أنني كنت جائعاً، وكنت متسولاً في الشارع فلن أطلب رغيف خبز، وإنما سأطلب نصف رغيف وكتاباً». ويحمل الكتاب عنوان (قارئ اسمه فدريكو غارثيا لوركا)، وفيه يستعرض مونتيرو سيرة لوركا كقارئ، منذ بداياته وحتى سطوعه كواحد من أهم شعراء إسبانيا وأكثرهم شعبية في القرن العشرين، وتحوّله إلى رمز لعصره.

ينطلق مؤلف الكتاب من مفهوم لوركا القائل بأننا في الأصل نتاج ذلك الذي قرأناه، وأننا جميعاً، وككُتّاب خاصة، نتذكر تلك الكتب الأولى التي قرأناها في فترة المراهقة وأثرت بنا كلياً، وهنا يشير إلى أن لوركا قد تأثر كثيراً بفكتور هوجو منذ بداياته، وذلك لأنه كان يرى أمه المعلمة تجمع الفلاحين في القرية، وتقرأ لهم بصوت عال قصائد ونصوصاً لهوجو، وكان يرى تأثر بعضهم، بما يسمعون حد البكاء، إضافة إلى ما كان يسمعه من أحاديث ثقافية في الجلسات العائلية في البيت، حيث قرأ كثيراً من مكتبة الأسرة ومن المكتبات التي كان والده مشتركاً فيها.. وهكذا قاد شغف لوركا بهوجو إلى ميله نحو الرومانسية، لما فيها من توعية ودفاع عن الأنا/‏‏ الذات الفردية، وحريتها بمواجهة الواقع القاسي، كما تأثر بأعمال أوفيديوا، وكان مأخوذاً بمسرحية (حلم ليلة صيف) لشكسبير.

حواشي كتبه تدلّ عليه

اعتمد مونتيرو في كتابه على شهادات ورسائل ودراسات وكتب السيرة، ولقاءات منشورة مع لوركا وعنه، من قبل من عرفوه، كما اعتمد على الملاحظات التي كان يدونها لوركا نفسه على حواشي صفحات الكتب التي كان يقرؤها، والتي لا زالت تحتفظ بها عائلته في المؤسسة التي تحمل اسمه، إضافة إلى قراءة تحليلية معمقة لصدى تلك القراءات في أعماله الشعرية والمسرحية، وأشار إلى أن مكتبة بيت لوركا تضم قرابة خمسمائة كتاب، عدا تلك التي تركها في أماكن إقاماته في مدريد ونيويورك وغيرها، وما كان يهديه من كتب، حيث كان لوركا معروفاً بكثرة إهدائه للكتب، معتبراً إياها مثل الموسيقى في الهواء الطلق، ومن حق الجميع التمتع بها، ففي الحفل التكريمي الذي أقيم له في قريته فوينته باكيروس عام 1931 قام بالتبرع بمجموعة كبيرة من كتبه.

ويستعرض مونتيرو مجمل قراءات لوركا على مدى حياته، ابتداءً بالكلاسيكيين، وصولاً إلى معاصريه من مختلف الثقافات، ليثبت أن لوركا كان «قارئاً نهماً»، وإن بدا فوضوياً ونزقاً، بطبيعة قراءاته، إلا أنه كان صاحب ذائقة ممتازة، جاداً وواعياً لما يقرؤه، وما يريده من كل قراءة.

القراءة لاكتشاف الذات

كان لوركا يستعين بالقراءة لاكتشاف ذاته، وللتعرف أكثر على طبيعة قلقه الداخلي بشأن البحث عن هويته الشخصية، فقاده ذلك إلى قراءة نتاجات التيار الرمزي، الذي قاده بدوره إلى تيار الحداثة نهائياً، حيث شعر بأنه يعينه على التحرر من شتى الممنوعات، فانتقل من قراءة ماتلانك وأفلاطون إلى قراءة أوسكار وايلد، فهزته من الأعماق رسالة الاعتراف التي تحمل عنوان (من الأعماق) لأوسكار وايلد، ومن أجل إيجاد نوع من التوازن الروحي، قرأ لأونامونو، وخوان رامون خيمينيث، الذي كانت ملاحظة لوركا عنه، ضمن حواشيه، بأنه «يكتب قصائد طويلة جداً»، وهذا أمر لا يروق للوركا، كما قرأ للأخوين أنطونيو ومانويل ماتشادو، وصولاً إلى رائد الحداثة الشعرية باللغة الإسبانية النيكاراغواني روبين دارييو.

ومن بين ما ينبهنا إليه مونتيرو في كتابه، أن انتقال لوركا من الريف إلى المدينة (غرناطة) في صباه سنة 1910، أحدث لديه تحولاً، حيث بدأ بمعرفة الأدب الإسباني الحديث، وأثرت به كثيراً وبثقافته، خاصة حين وجد فيها مزيج الإرث الأندلسي العربي بالموروث الشعبي والثقافة المعاصرة، وعززت رغبته بالانفتاح والسعي لبلورة وقبول المزج بين الثقافات والفنون، وحتى بين الأجناس الأدبية في النص الواحد نفسه، وخاصة أن لوركا كان لديه هاجس الخوف من الرفض، بسبب قرويته، لذا حتى في علاقته بغرناطة، ظلت مشاعره تتراوح بين الحب والرفض. وفي تجربته مع الموسيقار مانويل دي فايا، لإعداد موسيقى حديثة تنطوي في روحيتها على الموسيقى الشعبية، راح لوركا يقرأ كل ما يجده من مصادر مدونة عن الغناء الشعبي وأشعاره، وأعد محاضرة غنية عنها، وهكذا فإن تأثيراتها واضحة في مجمل أعماله.

ويُلاحظ عليه كذلك أنه كان ميالاً للثقافة المتوسطية أكثر، أي ثقافات حوض البحر المتوسط، الإيطالية والعربية واليونانية والإسبانية، أكثر من ميله إلى الغربية البحتة البعيدة، ومن خلال كثرة قراءته للآداب الإسبانية المكتوبة، وتشبعه بالشفهي الغنائي منها، كان يدعو لإنقاذ ما يسميه «الفراشة الغريقة في المحبرة»، إلا أن ذلك لم يمنعه من قراءة والت ويتمان وت. س. إليوت وبودلير وغيرهم ومن كل نص يقرؤه كان يمتص ما يستطيعه من دماء جديدة ومختلفة لصالح إيجاد وإثراء صوته الخاص. كان قارئاً «مصاص دماء، ما إن تقترب منه حتى يمتصك». وهكذا يؤكد مونتيرو على أن لوركا كان «مؤلفاً مثقفاً، وكان يبحث بلهفة وشغف عن الكتب التي تساعده ليكون سيد صوته الخاص».

ذخيرة حيّة

يورد المؤلف الكثير من الأسماء التي قرأ لها لوركا، ويبين أثرها المتفاوت في تكوينه الشخصي والإبداعي، الشعري والمسرحي والموسيقي، ويتوقف أكثر عند عدد من الأسماء، منها: هوجو، جوته، بلزاك، لارا، روسكين، ألبرتي، دوستويفسكي، تورجنيف، كلارين، إبسن، ماترلانك، روبن داريو، أمادو نيرفو، بول فيرلين، فرانسيس جيمس، بوشكين، وايتمان، غونغورا، شكسبير، أوسكار وايلد، أفلاطون، أونامونو، خوان رامون خيمينيث، إبسن، أليوت، ثربانتس، بيكر، ثورايا، بودلير، دي لاسيرنا، دي كاسيت والأخوين أنطونيو ومانويل ماتشادو وغيرهم الكثير. «لقد أعجب لوركا بالكثيرين، لكنه لم يحصر نفسه بالإعجاب أو التأثر الكامل بواحد محدد أبداً».

لقد كانت التربية الأدبية للوركا هي نتاج كثرة تردده على المكتبات العامة والخاصة، وبفضل ما كان يسمع من نصائح لقراءة كتب بعينها، «فإذا كانت قراءاته لهسيود وأفلاطون وشكسبير قد خدمت الشاعر لإيجاد ديناميكية لصراعاته، وسط المشهد الثقافي الرفيع للنخبة، فإن معرفته بإبسن وماترلانك وفيرلين قد أتاحت له الولوج في العالم الرمزي، وسلطة ما هو مسكوت عنه، ومن ثم فإن قراءاته لأمثال أوسكار وايلد، روبن داريو، أنطونيو ماتشادو وخوان رامون خيمينيث، قد سهلت له إجراء حوار داخلي حميم، وجد من خلاله فدريكو غارثيا لوركا معناه أثناء قيامه بكتابة نصوصه. لقد أقام ذلك الشاب لوركا في بطون الكتب، كي يتحاور ويتفاوض مع ذاته ومع العالم حول هويته الخاصة».

ومن خلال مجموع ومزيج هذه الكتب التي قرأها، تبلور ذلك الشخص والشاعر الذي قُتل سنة 1936، «شخص يجعل من الأدب مُلكاً له حين يبحث فيه عن المشاعر وعن المبررات التي تعينه على فهم معنى الحقيقة في حياته. شاعر يبحث في التراث عن الذخيرة التي تخدمه لتغذية عالمه الخاص».

هذا ما يقوله الشاعر الغرناطي والأستاذ الجامعي لويس غارثيا مونتيرو في كتابه عن ابن مدينته (قارئ اسمه فدريكو غارثيا لوركا)، الذي كان يشعر طوال حياته بأنه يجد نفسه فيه، وقرأ أعماله الكاملة التي وجدها في مكتبة أبيه منذ صباه، فأراد بهذا الكتاب أن يعيد الاعتبار لجهده وتكوينه الثقافي، ويصحح النظرة الشائعة عنه بأنه لم يكن مبدعاً مثقفاً، لمجرد أنه فشل في دراسته، ولم يكملها في الفلسفة والآداب ومن بعدها تأخر كثيراً في إكمال دراسته للقانون، وبالكاد أنهاها بدرجات ضعيفة: «كونه طالباً سيئاً شيء وغير مثقف شيء آخر، بل إنه كان شاعراً مثقفاً جداً وشديد النباهة، ولم يكف عن تثقيف نفسه أبداً»، كما يؤكد مونتيرو، الذي أراد بكتابه هذا أيضاً، أن يحث على القراءة من خلال نقل أجواء زمن ثقافي كانت القراءة فيه تشكل ركناً أساسياً في تكوين هوية المجتمع والفرد. إنه كتاب عن القراءة، يحث على القراءة والوعي بكيفية ممارستها بجدية فاعلة تصب في خدمة القارئ ومحيطه.

نفي

إن أحد أهم أهداف تأليف هذا الكتاب هو نفي التصور الشائع عن لوركا، بأنه كان شاعراً غير مثقف، وإنما شاعر موهوب، ملهَم فِطري أو عبقري، خاصة أن المعروف عنه أنه لم يكن طالباً جيداً في أي من مراحله الدراسية، مما شكّل تصوراً مبكراً عند زملائه ومعلميه بأنه ليس بقارئ، باستثناء قلة من أساتذته، ممن انتبهوا إلى أن عدم قراءته لكتبه الدراسية يقابلها استغراق بقراءات أخرى، فراح بعضهم ينصحه بقراءة بعض الكتب أو يهديها له.

لويس غارثيا مونتيرو

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف