• الاثنين 24 ذي الحجة 1437هـ - 26 سبتمبر 2016م

جدارة المثقف في ما يُبدعه لا في ما يدّعيه

إجهاض الحداثة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 سبتمبر 2016

محمد نورالدين أفاية

تعرَّض المدّ التحديثي في الثقافة العربية لعملية إجهاض سياسية حقيقية امتدّت طيلة العقود الأربعة الماضية. وأحسب أن الحديث عن المثقفين، أو عن «النخبة الثقافية»، اليوم، يفترض استحضار التاريخ الطويل من الحرب التي تعرض لها الذكاء العربي من طرف الأنظمة السياسية، ولا سيما ذات المرجعيات المذهبية المغلقة التي أشهرت، طيلة هذا الوقت، كل ما تملك من قوة لمحاصرة الإبداع والثقافة النقدية، بدعوى أن من يحملها يشكل خطراً على النظام ما دام يطعن في شرعيتها، أو هكذا يبدو لها. والمؤكد أن البلدان العربية تدفع اليوم، بسبب هذا الاختيار السياسي، أثماناً باهظة في سياستها وثقافتها وطرق حضور الذاتية العربية أمام ذاتها وأمام العالم، ولم تكن هذه العقود من التضييق، العنيف أو الناعم، تقتصر على الحد من الحريات، بل استهدفت الذكاء من خلال منع التفكير والتبرم من الإبداع.

تتفاوت الآراء حول النخبة وأدوار المفكرين والمبدعين، وتتوزّع باستمرار حول قدرتهم على الفعل والمشاركة في قضايا المجتمع وصنع الأحداث. نجد من يرى أن النخبة، بمختلف تموقعاتها وانتماءاتها، أظهرت عجزها وتقاعسها عن التفاعل الإيجابي مع حركية الأحداث، وفقدانها بوصلة التفكير الملائم لقراءة المرحلة، بل وفقدت «صدقيتها، و«مشروعيتها»، و«فعاليتها»، وهو ما يصر البعض على تكراره بكثير من التشنج المطمئن، وكأن صاحبه معفي من هذا الحكم القاسي. وهناك من يعتبر أن سرعة التحولات السياسية والاجتماعية - التي حصلت وما تزال - جرفت المثقفين وزجَّت ببعضهم في إطلاق إسقاطات وتمنّيات حول التغيير، لكن سرعان ما تبخّرت هذه الاستيهامات بسبب ما أفرزته عملية خلخلة المنظومة الاستبدادية من قوى نُكوصية سمحت لها «اللعبة الليبرالية» وشروط الاقتراع العام، أو الحروب الأهلية باحتلال المواقع العددية الأولى. ناهيك عمن يؤكّد على أن المثقف العربي، أصبح «صورة افتراضية» يحركها حنين إلى نماذج وأوجه مثقفين انتهى عهدهم وتأثيرهم. في المقابل، نعثر على آراء وكتابات ترى أن المثقف العربي لم يكن بالسلبية التي أطلقها البعض، بخفّة، على أدائه، كما لم يكن محايداً؛ وإنما هو ملتزم، بطرقه الخاصة، بمقالاته وكتاباته وإبداعه ومواقفه. ليس أداؤه ريادياً أو قيادياً بدون شك، لكنه يصعب تحمُّل ادعاء أنه مجرد كائن حالم، أو صامت بشكل كلّي.

أوهام النخبة

يبدو لي أن الحديث عن التزام المثقف قضايا السياسة والمجتمع، أو ارتباطه «العضوي» بقوى التغيير، هو حديث تبسيطي، و«أيديولوجي»، لأن المثقف يستحق جدارة تسميته ممّا يكتب، ويتخيّل، ويبدع، ويفعل، وليس ممّا يدعي تمثيله. وإذا كان البعض يلهث وراء التموقعات والشهرة فإن إنتاج المثقف، سواء كان شاعراً أو روائياً، أو رساماً، أو سينمائياً، أو موسيقياً، أو مُنظراً، هو الأداة الأنجع التي بها يصوغ أسئلة الزمن والوجود، ومن خلالها ينبش في مسارات الحياة وآفاقها. وعلى الرغم من أننا نشهد منسوباً جارفاً من الانفعال، وتضخماً للمشاعر، وسطوة للدعوة وللأيديولوجيا على حساب الثقافة والحس النقدي، فإننا ما زلنا نفاجأ بالقدرة اللامحدودة لمبدعين وكتاب وفنانين يصرون على معاندة هذا الضجيج، والاستمرار في الكتابة والحضور.

ألا تندرج عملية إعادة طرح سؤال المثقف وأدائه في ما يجري من تحولات سياسية، ضمن إحساس عميق بالغموض في تعريف المثقف، والتباس في تعيين دوره وموقعه؟ وكيف يمكن التفكير في مثقف يجد نفسه في مواجهة حالة مستديمة من الاشتراطات التي تملي عليه تأجيل القيام بمهمته، أو الانخراط الفوري في حركية متأججة؟ هل العودة إلى سؤال المثقف والمسألة الثقافية تفيد أن الأمر يتعلق بحاجة نقدية أم هي نتاج شعور بلا جدوى الكتابة والتأليف؟ ثم هل الخلفية المحركة لهذه العودة يبررها التزام ما بقيمة الفكر بوصفه مدخلاً لإشهار الحقيقة أم باعتباره مجالاً معيارياً لقياس الفعالية والفائدة؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف