• الجمعة 28 صفر 1439هـ - 17 نوفمبر 2017م

حذف البنية السوسيو - الثقافية غير مبرر

اليهود في السينما التونسية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 يوليو 2017

فريد بوغدير** ترجمة : أحمد عثمان

لكي نقترب من وضعية اليهود في السينما التونسية، ننحي اللطف جانبا ونتكلم بحرية، بما أننا -باستدعاء التمزقات وحالات التمييز بين طائفتين تونسيتين، مسلمة ويهودية - نعمل على تجاوزها. منفى، فصل، حنين، وجراح أخرى لم تندمل بعد -بالمعنى الدقيق للكلمة- لدى كثير من اليهود التونسيين الذين غادروا تونس. ها قد مضى عليهم عشرون أو ثلاثون عاما، وأصبح نصفهم فرنسيين. غير أن هذه الجراح لم تصبهم فقط. يشعر كثير من التونسيين المسلمين، المثقفين ورجال الثقافة، وإن كانوا يقولون نصف الحقيقة، بكونهم يتامى منذ هذا الفصل.

أنا أيضا يتيم هذه الـ«تونس المتعددة»، ليس فقط لأنني تلميذ ثانوية كارنو بالعاصمة التي احتفلت هذا العام بمئويتها، وحيث اختلط أطفال الديانات والطوائف المتعددة. بل لأن في هذه المرحلة، مرحلة الستينيات، قام قوميو البلاد العربية بترحيل أقلياتهم ومارسوا الطرد. ما جرى في تونس، أسماه الكاتب التونسي هيلي بيجي (1) «بالقوموية»، أي أن تقتات القومية على الطرد، بحيث تقذف خارجا كل ما هو غير قومي، بدقة وبأورثوذوكسية، حسب ثوابت وثيقة الصلة بالأمة. قبالة الظاهرة القوموية، رأى المثقف التونسي - باعترافات - هذا الطرد ورأي أيضا أنه ينزع إلى معاداة السامية، كما أنه ينزع إلى معاداة اليسارية، إلى معاداة الماركسية، إلى معاداة أي توجه لا ينتمي إلى الأغلبية.

أنا فخور بكون تونس، اليوم، بهذه الإرادة، بصدق وعلى المستوى الرسمي، تداوي هذه الجروح. من الجميل للغاية أن يجري ما سبق سريعا، بعد خمسة وعشرين عاما من نكسة يونيو 1967، مع كل مشاكل «الهناك» التي انعكست علينا. من المسلي معرفة أن الاتصال استؤنف ثانية رغم المسافة بيننا، قبل أن يأتي جيل جديد من اليهود التونسيين المولودين في الخارج، والذين يجهلون كل شيء عن تونس. هذه اللحظة التي نعيشها لأننا بصدد إعادة كتابة جزء من تاريخنا، التاريخ التونسي الحقيقي - تتمثل الدراما في الدول ذات الحزب الواحد في أن التاريخ معاد كتابته دوما بطريقة ما، مع استثناءات قليلة، ليس فقط بصدد الطائفة اليهودية، وإنما غالبا حسب الكوارث الجارية. يتعلق الأمر بأن يكون المرء قادرا، في لحظة ما أو في أخرى، على إعادة الحقيقة. أشعر بأن هذا ما نفعله اليوم.

«ساماما» الاستثنائي

عن موضوع اليهود في السينما التونسية، أبدأ بذكر شخصية آلبير ساماما، الملقب بـ«ساماما شيكلي»، أول سينمائي تونسي. قال البعض إن هذا اللقب أتاه من جمعية خيرية: «أطفائيو جزيرة شيكلي»، هذه الجزيرة الصغيرة الموجودة في بحيرة تونس، حيث كان آلبير ساماما ينظم حفلاته. هذه الشخصية الاستثنائية كانت أول من أدخل أشياء عديدة إلى تونس، من بينها السينما. قبل أن يجلب السينما، كان أول من جلب الدراجة، التلغراف من دون أسلاك، أول جهاز أشعة (إكس) إلى مستشفى تونس... بما أنه كان شغوفا بالتصوير الفوتوغرافي، اتجه، بصورة طبيعية، نحو السينما، في عام 1895، لما ابتكرت السينما. بعد عامين، نظم آلبير ساماما شيكلي عرض أفلام في تونس. لم يكن مكتفيا بالتصوير على الأرض، هذا المبتكر التونسي، من لمس كل شيء، حقق أول تصوير من المنطاد بين الحمامات وغرومباليا ثم أول تصوير تحت الماء. ثم صور زلزال ميسين، صيد أسماك التونة لفائدة أمير موناكو، وخلال حرب 14 - 18 صور «خنادق فردان». بعد هذه المحاولات التجريبية، قرر أن يحقق أول أفلامه الروائية القصيرة. في عام 1922، صور «زهرة»، حكاية فتاة فرنسية هبطت من طائرة فرنسية واستقبلتها قبيلة بدوية تونسية. وصف الفيلم حياة هذه القبيلة في أدق تفاصيلها. منح الدور الرئيسي لابنته هايديه (عاشت دوما في تونس، تحديدا في شارع مارسيليا بتونس العاصمة). سوف أدفع غاليا لكي أجد هذه الأفلام التي أبحث عنها طويلا. طلب مخرج كبير في هوليوود، ركس انغرام، مؤلف فيلم «بن هور» من هايديه شيكلي أن تؤدي دورا في أحد أفلامه، غير أن والدها اعترض وهكذا بدلا من أن يدع ابنته تذهب إلى هوليوود، قرر ساماما شيكلي أن يأتي بهوليوود إلى ابنته. وبالتالي حقق «عين الغزال» (أو فتاة قرطاج، بالفرنسية)، أول فيلم روائي تونسي طويل حققه تونسي.

 بعد هذا الفيلم الروائي الطويل لساماما شيكلي، صور عديدا من الأفلام الكولونيالية في تونس، ولم يعد أحد يتكلم عن ما قدمه أبو السينما التونسية. على قبر ساماما شيكلي، من الممكن أن نقرأ هذه الجملة: «لم يكل عن الفضول، جسور شجاع، مقدام في عمله، عنيد في تجربته، مستسلم للعذاب، خلف وراءه أصحابا». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا