• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م

البدايات المشتركة للسّحر والدّين

نشأة المقدَّس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 يوليو 2017

د. خزعل الماجدي

السحر والدين مشتركان في جذور بداياتهما وفي طبيعتهما، ولكن السحر سبق الدين واختلف عنه رغم أنه لم يفارقه، إذ يكاد السحر يهيمن على أغلب عصور ما قبل التاريخ الطويلة منذ عصور الباليوليت والميزوليت، وحين نشأ الدين بوضوح منذ النيوليت والكالكوليت تغيرت المعادلة وأصبح الدين مهيمناً والسحر خاضعاً للدين. أما في العصور التاريخية القديمة، بشكل خاص، فقد توارى السحر على هامش الدين لكنه ظلّ قوياً بتأثيره وتجلى في تيارات سحرية دينية، وأصبح مسؤولاً في كل أحقاب التاريخ عن التبدلات النوعية في الدين.

السحر والعرافة

وضع أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة كامبردج السير جيمس فريزر (1854- 1941) عمله الكبير (الغصن الذهبي) المؤلف من 13 مجلداً بآلاف الصفحات، والذي تناول فيه سحر الأقوام البدائية المعاصرة، والتي كانت تعيش قديماً، مع مقدمة نظرية حول السحر وعلاقته بالدين، ثم لخّص هذا العمل في مجلد واحدٍ.

وقد أوضح أن الفكر البشري يمر بثلاث مراحل هي (السحر، الدين، العلم). وستحقق جميع المجتمعات هذا التطور بشكل متفاوت وقد ميَّز بشكل واضح بين هذه المصطلحات الثلاثة وفرز التداخل بينها حين قال إن السحر جاء قبل الدين وهو بمثابة الدين الأول للإنسان ولكنه يختلف عن الدين بمعناه المعروف، فالسحر بالنسبة له «إيمان بقوى أعلى من قدرة البشر، ومحاولة لاسترضائها أو استعطافها &ndash يتعارض عموماً مع الدين الذي يفترض أن السيطرة للبشر، لكن الدين نشأ عن إدراك أن السحر قد فشل». وبقوله هذا نفهم أن (ممارسات) السحر لم تكن تتعارض مع (الأفكار) الدينية. وقد وسع فريزر نطاق المقارنة بين السحر والعلم، فالسحر بمنزلة (أخت غير شرعية للعلم) قائم على قانونين مغلوطين: أولهما قانون العدوى، أي أن الأشياء التي كانت في وقتٍ ما على اتصال بعضها مع بعض تظل تربطها علاقة حتى لو فصلت بينها المسافات. أما الثاني فهو قانون التشابه، الذي يذهب إلى أن النتائج تشبه مسبباتها، لكن إذا ما ثبت يوماً أن السحر صحيح وفعال (فهو ليس سحراً إذنْ، وإنما علم). (*)

كان السحرُ أول أشكال العلاقة بين الإنسان والمقدّس، والمقدس في السحر هو القوة أو الطاقة السارية في الكون، ولذلك فهو أول قناةٍ للاتصال بين المقدّس والإنسان.. وتتضمن هذه القناة شحنات مُرسَلة من الإنسان إلى المقدّس (وهو ما نسميه بالسحر أو الطاقة المرسِلة) وشحنات مُستَلمة من المقدّس إلى الإنسان (وهو ما نسميه بالعرافة أو الطاقة المستلِمة).

سبق السحر، إذن، الدين واجتمعت فيه شحنة المقدّس الكوني والبشري فأصبح الساحر بمثابة المتصّل الوحيد بالطاقة الكونية والقادر على التعامل معها وفق ما يريد سواء بالتحكم بها (عن طريق السحر) أو بالتنبؤ بما يحصل (عن طريق العرافة). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا