• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

«فرانكشتاين في بغداد».. رواية الخراب الجذري «فرانكشتاين في بغداد».. رواية الخراب الجذري

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 مايو 2014

د. رسول محمد رسول

تبدو فداحة الواقع الذي يعيشه الإنسان المعاصر، سواء في العراق أو في أمكنة أخرى، أكثر مدعاة لاستدراج المتخيَّل الإبداعي الروائي كأحد السبل التعبيرية عن واقع تلك الفداحة، في تصوير تلك الفداحة على نحو مرهف من حيث طريقة السّرد واصطفاء منحى مغاير في التصوير الفني والجمالي، وهذا ما يتجلّى في العمل السّردي الثالث للروائي العراقي أحمد سعداوي (فرانكشتاين في بغداد)، الصادر عن دار الجمل في بيروت وبغداد عام 2013، والفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر).

إذا كان العمل الإبداعي يكرس طريقةً ما في عرض الواقع جمالياً، فإن سعداوي، وفي روايته هذه، ترك طريقته تلك تتألَّق من خلال توسُّله لجماليات (السَّرد المفتون بذاته) = (Metanarrative)، وسبق لي وعرَّفت هذا النَّمط من السّرد بأنه “وجود إبداعي متخيَّل وقد تحوَّلت كينونته المحضة أو الأساسية إلى موضوعة حكائية من خلال تمفصلها في مسالك أجناسية جمالية حكائية كالقصَّص والروايات والمسرحيات، تلك التي تتضمَّن حكاية تالية أو حكايات داخل حكاية كبرى يدخل فيها معمار الكتابة السَّردية، وأحوال الكاتب، والقارئ، والمقروء، والناقد، والناص أو المؤلِّف، والناشر والنشر والمنشور، والمخطوطات، والملفات، والرسائل، والمظاريف، والصور الفوتوغرافية، واللوحات التشكيلية، كفواعل وعوامل مسرودة في عمل إبداعي متخيَّل وممهور بعنوان مركزي هو عنوان لقصَّة أو رواية أو مسرحية”، خصوصاً أن السعداوي توافر على أظهر مُمكنات هذا السَّرد؛ وذلك باستخدام الحراك البوليسي في الأحداث، والاعتماد على عنصر الرواية داخل الرواية، وعلى توظيف الوثيقة؛ المسموعة والمرئية والورقية، وعلى الحكي من داخل النَّص أو المؤلِّف الشريك في الحدث وليس الراوي الأعزل، وغير ذلك من ضرورات السَّرد المفتون بذاته، لا سيما أن المؤلِّف الشريك بالحدث أعاد كتابة الرواية بفصولها التسعة عشر التي ختمها بها بعد أن كان نصها الأول الذي صادرته القوات الأمنية قد توقف عند الفصل السابع عشر.

الروائي الشريك

في رواية من هذا النَّمط، لا ينبغي أن نقف عند مدى نجاح أو فشل الروائي (أحمد سعداوي) في تصوير أحداث الواقع، فذلك ممكن لو كنّا بصدد عمل وثائقي بسيط، وكذلك لا نتوقف فقط عند قدرة الكاتب على التناص مع مماثلات سردية أخرى رغم أن التناص مع الغير فضيلة من فضائل النَّص المفتوح على العالم المحيط، بل نقف عند كيفيات سرد الحدث وتصويره، وهو ما يمثل جانباً مركزياً من جوانب الطاقة الإبداعية في أي عمل سَّردي لا يقلُّ أهمية عن الجانب الموضوعاتي فيه.

تبدأ (فرانكشتاين في بغداد) من وثيقة متخيَّلة (Imagined Document) تفتح آفاق الحكي، ولا نكاد نعثر على مصدرها التوثيقي إلاّ في الصفحة 339 من المتن النَّصي، والتي أشارت إلى وجود “قصة”، بحسب نص الوثيقة (ص 8)، وهنا حافظ الناص (Textor) أو أحمد السعداوي على مستوى وعي رجال الأمن الذي لا يفرّق بين (قصَّة) و(رواية)، وهو التقرير الذي أشار إلى وجود مراسلات مع مؤلِّف (المؤلِّف/ الناص) الذي تم استدراجه من جانب لجنة تحقيق خاصَّة بغلق “دائرة المتابعة والتعقيب” التي أنشاءها الأمريكان في أثناء غزوهم العراق، وهي اللجنة التي اعتقلت “المؤلِّف” وحقَّقت معه، واكتشفت بحوزته نصاً قصصياً يتكوَّن من سبعة عشر فصلاً فلجأت إلى مصادرته، وعندما فُض اعتقال المؤلِّف تمكَّن من إعادة كتابته بفصوله التسعة عشر التي تمثل المتن النَّصي الكامل لرواية (فرانكشتاين في بغداد) كما نقرأها اليوم. وبذلك يحضر المؤلِّف/ الناص منذ بداية الرواية، ويسوِّغ لكيفية وجوده ودوره في نهايتها ليصبح راوياً وناصاً مشاركاً في أحداثها، وهذا ما أضفى على هذه الرواية قدراً جمالياً يؤسِّس بدوره لكينونة السَّرد المفتون بذاته.

على نحو مضاعف، سعى الناص إلى تفعيل دور الوثيقة في بناء نصه السَّردي؛ فمرجع كتابته للفصول السبعة عشر مستمدٌ من تسجيلات صوتية عثر عليها “المؤلِّف” الشريك في الحكي (Homodiegetic Narrator) أو المؤلِّف داخل الحدث عندما اشترى من الصحفي المهزوم “محمود السوادي” جهاز التسجيل الصوتي الإلكتروني خاصته بمبلغ 400 دولار (انظر ص 324) والذي ضمَّ معلوماته الرئيسة عن كل الأحداث التي ظهرت في الرواية باستثناء الفصلين الأخيرين اللذين كشف هذا “المؤلِّف” خلالهما عن دوره في الأحداث عامة وفي بناء المتن الحكائي لرواية (فرانكشتاين في بغداد) على نحو خاص بعد أن نحّى جانباً الرواية التي كان يكتبها (الرحلة غير المؤكَّدة والأخيرة) (ص 326). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف