• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

فيلم «محاكمات محمد علي» تصفُّح سينمائي في تاريخه

بطل نادر من هذا الزمان!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 مايو 2014

قيس قاسم

أراد المخرج الأميركي بيل سيجيل عبر مشهدين صادمين اختارهما من الأرشيف تلخيص حياة الملاكم محمد علي: الأول بالأسود والأبيض ويعود إلى عام 1968 عندما أجرى البرنامج البريطاني ”آيمون أندرو شو” لقاءً مع الملاكم محمد علي على الهواء من مدينة شيكاغو أصر فيه الأخير على وصف نفسه بالداعية لمبادئ الإسلام وكملاكم محترف في نفس الوقت، ما أثار حفيظة ضيفه الصحفي ديفيد سوكانيد الذي لم يتردد أمام الكاميرات من وصفه ”بالرجل العار على أمته والنقطة السوداء في تاريخ الملاكمة وأنه من أرباب السوابق قضى فترة في السجن وسيعود اليه ثانية”.

المشهد الثاني بالألوان يظهر فيه محمد علي، بعد أكثر من ثلاثة عقود، في البيت الأبيض أثناء تسلمه وسام السلام من الرئيس السابق جورج دبليو بوش الذي قال في كلمته بالمناسبة “إنه أعظم رياضي في كل العصور فاز بأكبر البطولات وصار ملهماً للشعب الأميركي الذي يفخر أن يكون من بين أبنائه بطلاً اسمه محمد علي”.

مشهدان سيعمل الوثائقي الجديد “محاكمات محمد علي” على تفكيكهما وإعادة تشكيلهما عبر قراءة خاصة لجانب مهم يتعلق بحياة البطل المثير للجدل لم تتطرق له بإمعان أفلام أنجزت عن حياته من بينها فيلم البريطاني ستيفن فريزر “أعظم معارك محمد علي” والروائي الطويل “علي” بطولة ويل سميث وإخراج مايكل مان. فالاثنان لم يتعمقا في توثيق وتحليل علاقة الملاكم بالإسلام وبالحركات الإسلامية الأميركية ومعرفة مقدار تأثيرهما على مسار حياته ناهيك عن رسم المشهد الاجتماعي المتشابك، بين السود الأفارقة أنفسهم من جهة وبينهم وبين البيض من جهة أخرى، في بلد له أرث طويل في الممارسات العنصرية.

طوال حياته وحتى في المشهدين المذكورين واجه محمد علي أحكاماً، نطق بها آخرون بحقه، ليسوا هؤلاء بالضرورة قضاة ولكن دلالاتهم الرمزية تضعهم في موضع الحاكم وعلي في موضع المتهم ليغدو مشهده الحياتي أقرب الى محكمة دائمة وبالتالي فـ”محاكم محمد علي” هي تعبيرية في الأساس يراد بها الدلالة على الضغط النفسي الهائل الذي كان يتعرض له البطل طيلة حياته. صحيح أنه مثل بقية السود الأفارقة الأميركان الذين عليهم البرهنة طيلة حياتهم بأنهم أُناس أسوياء ومستقيمون، حتى يرضى عنهم المجتمع الحاضن، إلا أن تميزه الأبرز عنهم يكمن في قدراته وطموحاته التي صنعت منه بطلاً لم تعرف الملاكمة في تاريخها مثله، وعن هذا الجانب من شخصيته حشد سيجيل في فيلمه شهوداً من المقربين له ومن الذين عايشوه ليتحدثوا عن كل مرحلة من حياته مقرونة بتداخلات بصرية إضافية لافتة عمادها أرشيف ضخم من الوثائق والصحف والتسجيلات التلفزيونية القديمة أستخدمها بطريقة توحي بأنها هي من تقود حديث الشاهد لا العكس، ما وفر سلاسة سردية جعلت منه واحداً من أمتع الأفلام الوثائقية وعلى مستوى الموضوع وعمقه فيبدو فيلم “علي” الروائي مسطحاً بالمقارنة به رغم القبول النقدي الذي حصل عليه حينها. لا يرتكن “محاكمات محمد علي” على التسلسل الزمني ويحذف لهذا جزءًا كبيراً من طفولته مع أهمية البناء عليها، ربما يعود السبب في ذلك كونها قد أشبعت بحثاً من قبل وليس ثمة أشياء مهمة لديه يمكن اضافتها لهذا ركز بدلاً عنها على بدايته كملاكم وطموحه في أن يصبح بطلاً في مقتبل العمر، وهذا ما دفع غوردن بي. دافيدسون، الرجل الوحيد المتبقي من مؤسسة “سبونسورنغ غروب” والتي كانت من بين أهدافها رعاية المواهب الرياضية الشابة وتقديمها عبر الاتفاق معها على عقود عمل تمكن الموهوبين منهم من الدخول الى النظام الاحتراقي الى التلميح في شهادته الى الاندفاع اللافت لكاسيوس كلاي وثقته بنفسه في أن يصبح بطلاً للعالم في الملاكمة قبل تجاوزه سن العشرين. لم يصدق طموحه ولكنه انتبه الى حبه الكبير للملاكمة أكثر من حبه للشهرة والمال ويكشف أن العقد الأول الذي وقعته المجموعة معه تضمن إلزامه دفع ما يصل الى تسعين بالمئة من قيمته الى دائرة الضرائب المحلية وبالتالي لا يتبقى له منه إلا القليل.

لم يهتم بالمال قدر اهتمامه في أن يصبح بطلاً وبأسرع وقت. سيُبقي صانع الفيلم دافيدسون معه لفترات طويلة من شريطه لأهمية شهاداته والذي سيعترف لاحقاً بأنه لم يصدق أن يصبح هذا الشاب ملاكماً نادراً، ولم يتوقع له مطلقاً أن يواجه مشاكل سياسية كبيرة بسبب إسلامه ورفضه الخدمة العسكرية.

سيشكل موقفه من حرب فيتنام وقبلها إشهار إسلامه أبرز العلامات التي يعالجها فيلم “محاكم محمد علي”. وإذا كان موقفه من الخدمة العسكرية قد غطى على غيرها من مواقف لصلته المباشرة بالسياسة ولقوة ردود الفعل حولها الى درجة وصلت بالحكم عليه ابتداءً بخمس سنوات سجن وحرمانه من اللعب في الولايات المتحدة وخارجها فإن علاقته بالإسلام لم تحظ سينمائياً بذات القدر إلا على يد سيجيل الذي خصص لها أكثر من نصف وقت شريطه، ليشبعه بحثاً ويقدم أيضاً حقائق جديدة لم يعرفها العالم كفاية من قبل ولهذا السبب كثف من شهادات الدعاة الإسلاميين ليُكوَّن من خلالها صورة شبه كاملة عن العلاقة بينه وبين الحركات الإسلامية وتشعباتها التي وصلت الى مناقشة المعنى التاريخي والسياسي لتلك الحركات في الولايات المتحدة الأميركية وبشكل خاص خلال النصف الثاني من القرن المنصرم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف