• الجمعة 28 ذي الحجة 1437هـ - 30 سبتمبر 2016م

بصمة الضمير...

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 أغسطس 2016

«تستطيع أن تحضر إلى العمل أو تغادره بحرية تامة، وفي الوقت الذي تراه مناسباً، دون أن تَمثُل أمام جهاز البصمة، فهو لم يعد رقيباً على التزامك، فقط ضميرك وشعورك بالمسؤولية تجاه أسرتك ووطنك رقيبك الوحيد»، بهذا الإشعار أعلنت هيئة تنمية المجتمع في دبي وجهات حكومية محلية أخرى عهداً جديداً يهَبون فيه للعاملين مساحات من الحرية الوظيفية لتحقيق أفضل الإنجازات في أوقات العمل التي تناسبهم، واستعاضوا عن «بصمة الحضور والغياب» بـ«بصمة الضمير».

بهذا أحرزت المدينة الذكية «دبي» خطوة نوعية واستباقية أخرى نحو هدف استراتيجي ومنظومة مؤسسية، تضمُّ خططاً وبرامج ومبادرات ومؤشرات تنحت بعناية تفاصيل جدارية «إسعاد العاملين»، من خلال وضعهم تحت مجهر «الرقابة الذاتية»، وإيقاظ روح المسؤولية الوظيفية والمجتمعية والوطنية التي شكلتها القيم الدينية ترجماناً للتحفيز الرباني: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)، «سورة التوبة: الآية 105».

وفي محاولات حثيثة للمؤسسات في العديد من الدول لضبط أوقات عمل الموظف بداية من الالتزام بتوقيع كشوف ضخمة، وصولاً إلى استحداث أجهزة إلكترونية لإثبات حضوره ومغادرته وغيابه، إلا أنها لم تحقق نتائج أبعد من قياس ساعات دوامه ومثوله خلف مكتبه، ولم تتمكن من قياس مستوى أدائه في عمله وما حققه من إنجازات وإبداعات، ولن تكون بأية حال أكثر فاعلية من «بصمة الضمير» التي تحركها الرقابة الذاتية ويشعل وقودها الوازع الديني والالتزام الأخلاقي وتحييها الفطرة الإنسانية ويحفزها حب الوطن، وهذا ما يترجمه المصطلح الياباني الشائع «YORUKI» الذي يعني «النزعة الذاتية في البحث عن الذات من خلال العمل»، لذلك لا نندهش من نسبة التغيب عن العمل في اليابان التي لا تتعدى 2%، حيث حاولت الحكومة اليابانية تخفيض ساعات العمل ففشلت لرفض الموظفين مغادرة مكان العمل قبل إنهاء مهامهم.

لم يأتِ هذا الإعلان لبعض الجهات الحكومية بدبي في هذه المرحلة من وحي أحلام اليقظة، وإنما استكمالاً لخطوات ومراحل وجهود سابقة فاعلة بدأتها بتطبيق العديد من الدوائر الحكومية لنظام الدوام المرن على مدار عدة سنوات، ما سمح للعاملين بالحضور والانصراف في مواعيد غير ثابتة على أن تكون بين السابعة صباحاً والثالثة مساء، ووفقاً لاستبيان حول رضا الموظفين عن الدوام المرن سنة 2012، تبين أن 50% منهم راضون بشدة والـ50% الآخرون راضون فقط، وقد حققت هذه المبادرة نجاحاً باهراً أدت إلى انخفاض نسبة استئذان الموظف لتلبية مهامه الخاصة، إضافة إلى زيادة إنتاجيته وولائه لعمله وانضباطه في الحضور والانصراف نتيجة لشعوره بالثقة التي حازها من جهة عمله، مما عزز من إحساسه العالي بالمسؤولية ووفائه وانتمائه لأنه أضحى واقعياً محور الاستثمار في رأس المال البشري والقلب النابض في منظومة تطوير المواهب المؤسسية.

ومما لا شك فيه أن تفعيل ثقافة «الرقابة الذاتية» إن أتى بثماره في مؤسسات الإمارات الريادية فلن يكون طرحاً مثمراً في كل المجتمعات ما لم تسعَ إلى مراحل استباقية، تعمل خلالها على إحياء ضمير العاملين وتعزيز مفاهيم وقيم الوفاء والولاء والانتماء للوطن والتركيز على العوائد والقيمة المضافة وليس فحسب على أوقات العمل، هذا ما مهدت الإماراتُ الطريقَ له، وقطعت أشواطاً ممتدة في رحلتها إليه، ولهذا نرتقب أن يشهد المستقبل القريب اعتماد «بصمة الضمير» في مؤسسات الدولة كافة، فريادة الأوطان بالنسبة لدولة الرقم واحد تبدأ ببناء الإنسان فكراً وخلقاً وقيماً وسلوكاً وأثراً.

الدكتور - عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف تقيم الأداء العربي في أولمبياد ريو؟

جيد
عادي
سيء