• الجمعة 07 جمادى الآخرة 1439هـ - 23 فبراير 2018م

الفريق التاسع

حالة خاصة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 11 يناير 2013

هناك عادات من الصعب تغييرها، مثل الخطوط الحُمر لا يمكن تخطيها، إلا مخالفاً للأنظمة والقوانين .. كرة القدم عالم آخر، بإمكان هذه اللعبة أن تغّير ما تشاء بإبداع لاعب، أو بفوز فريق ..هنا سأروي حالة خاصة حدثت عام 79 في جنوب العراق عندما استضافت بغداد دورة الخليج العربي الخامسة.

كانت بائعات الحليب واللبن ينتشرن في جنوبي العراق، وُيطلق على الواحدة منهن لقب «معيدية»، إذ تحمل هذه البائعة اللبن على رأسها في أوانٍ معدنية، وعليها أن تعود، بعد أن تبيع بضاعتها للعائلات، إلى أسرتها ومعها النقود، حيث تخضع لحساب شديد من والدها أو زوجها إذا أضاعت فلساً واحداً، وكثيرات تعرضن للضرب المبرح بسبب فقدان بعض الفلوس.

وفي «خليجي 5» عام 79 التي أقيمت في بغداد حصل المنتخب العراقي على كأس البطولة للمرة الأولى في تاريخه، ففرح العراقيون فرحاً شديداً، ولأن «المعيديات» لا يعرفن شيئاً عن كرة القدم، فوجئت بعض العائلات التي تشتري اللبن والحليب من إحدى «المعيديات» بأن هذه المرأة توزع بضاعتها مجاناً، سألوها: هل حصلت على موافقة زوجك؟ أجابت: لا.. ولكنني مستعدة لتحمل الضرب وكل وسائل التعذيب من أجل هذا اليوم.

وفي اليوم الثاني كان الناس ينتظرون سماع خبر هذه البائعة وماذا حلّ بها، لكنها فاجأتهم وجاءت مسرورة وأخبرتهم بأن عائلتها قررت أن تفرح بطريقتها وتوزع اللبن والحليب مجاناً لثلاثة أيام... يا لها من كرة ساحرة غيّرت العقول.. ويا لها من بطولات لا تنسى.

في هذه البطولة سجل المنتخب العراقي 23 هدفاً، ودخل مرماه هدف واحد، وحصل حسين سعيد على لقب هداف البطولة بعشرة أهداف، فيما حصل رعد حمودي على لقب أفضل حارس مرمى .. وحصل هادي أحمد على لقب أفضل لاعب في البطولة، وأطُلق عليه لقب ملك الكرة العراقية، ولم يُطلق اللقب حتى هذه الفترة على لاعب غيره ..

تذكرت هذا المشهد، وأنا أتابع مباراة المنتخبين الشقيقين، العراق والكويت، من على مدرجات ستاد خليفة في البحرين في خليجي 21 يوم أمس الأول، والتي انتهت بفوز العراق بهدف واحد .. كان الجمهور العراقي على قلته فعالاً، و كانت العائلة العراقية حاضرة بقوة، والحناجر تهتف بصوت واحد.. لعراق واحد.

دائما هناك مبادرات بعد كل فوز عراقي، نذور، وأفراح، وتآخ.. ما يثير الإعجاب أن المحرومين من الحياة الحرة الكريمة في العراق، يحتفلون بفوز العراق الكروي، مهما كانت ظروفهم وعوزهم ونقص ذخيرتهم من المؤن والزاد.

إن بخلاء الجاحظ، لم يبقوا على بخلهم لو عاشوا انتصارات الكرة العراقية، ولو شاهدوا المواهب التي تولد من رحم المعاناة .. قال لي مجنون بصري بكرة القدم هذا الكلام وأضاف: إن شعارنا الجديد .. لا بخيل في العراق في ظل انتصارات أسود الرافدين..

جاسب عبدالمجيد (العراق)

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا