• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

قدمت فرجة بصرية تعيد الألق للمسرح الإماراتي

«نهارات علّول».. صنّاع الحياة حين لا يهزمهم الفناء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 14 يناير 2014

إبراهيم الملا (الشارقة)ـ قدمت فرقة المسرح الحديث بالشارقة مساء أمس الأول بقصر الثقافة في الشارقة، وضمن عروض اليوم الثالث من أيام مهرجان المسرح العربي، عرضا بعنوان «نهارات علّول» الذي يترجم مع العرض المسرحي الإماراتي الآخر في المهرجان «الدومينو» الخط الفني المتصاعد لمؤشرات المسرح المحلي، وما يختزنه من طاقات إبداعية تعمل من الداخل على تطوير مهاراتها في القراءة الواعية لمفردات العرض المسرحي، كالتأليف والإخراج والأداء التمثيلي وتوظيف السينوغرافيا لخدمة الحكاية المبثوثة في فضاء الخشبة.

استطاع عرض «نهارات علّول» أن ينال رضا واستحسان جمهور الصالة وضيوف المهرجان، لاشتماله على عدة عناصر تكوينية وجمالية ومشهدية، تضافرت في تقديم فرجة مسرحية ممتعة ومشوقة بصريا، وإن غلب عليها الطابع التراجيدي، خصوصا في مشهد الختام، مع بعض الفواصل الكوميدية التي جاءت في سياق التنويع الديناميكي للفكرة الغرائبية واللامعقولة التي استند عليها نص الفنان مرعي الحليان، والتي استثمرها المخرج حسن رجب من خلال التحكّم بكل الخيوط السردية وربطها بالشخصية المحورية في العرض.

«علّول» ــ قام بدوره الفنان جاسم الخرّاز ــ المنتمي لفئة الفقراء والمهمشين والصعاليك الذين يطلق عليهم العرض اسم: «الحرافيش»، حيث نرى علول في المشهد الافتتاحي ــ الذي سبقته جملة من الإيحاءات الرمزية المكثفة والدالة على عبثية الحكاية وصرامتها أيضا ــ وهو يبوح لصديقه المتشرد مثله والخارج من قاع المدينة ــ الممثل أحمد ناصر ــ عن رغبته في كسر حالة الانصياع والخنوع التي حولت الصعاليك إلى ما يشبه الصراصير المهانة، تحت أقدام الآخر المهيمن والمسيطر على المنبوذين من عامة سكان المدينة.

في المشهد التالي نرى «علاية» ــ الممثلة بدور الساعي ــ التي تهرب من حارس القصر وتنسل خلسة في الليل كي تقابل حبيبها «علّول» الذي طال بأحلامه الأمد، حتى ظنّ أنها تبخرت في مشاع فاسد، وفي هواء لم يعد صالحا للتنفس، تشتكي «علاية» من عملها المهين في القصر، ويحثها «علّول» على التمرد حتى يحققا حلمهما المشترك بالزواج وإنجاب الكثير من الأطفال الموعودين بالخروج من قمقم الصمت والعجز والانكفاء، حتى لو جمعهما هذا الزواج في خلاء بعيد وتحت بيت بلا سقف، يصرّ «علّول» على تنفيذ مطلبه المستحيل ويلاحق معشوقته إلى حدود القصر، ولكن رصاصة غادرة من الحارس تصيبه في خاصرته، وتستقر في جسده، دون أن تقتله، فيظل حائرا ومذبذبا بين صرخة الموت ونداء الحياة، أما أصدقاؤه الحرافيش فيرون في هذه الحالة العجائبية ما يشبه المعجزة، فيتبركون به ويتخذونه قائدا وملهما ورجلا مباركا يشفيهم من عاهاتهم النفسية والجسدية، ويعينهم على الخلاص من ظلم المقيمين في القصر، والبعيدين عن هموم الفقراء الذين باتوا نصف أموات، ونصف أحياء، تماما مثل: «علّول» ولكن مع توافر مزيّة واضحة هنا، وهي أن «علّول» يمتلك صفة متفرّدة، وذريعة نادرة تمكنه من مجابهة جلاديه ومحاكمتهم، وهو ما يحدث فعلا عندما تثير طبيعة «علّول» الغامضة حالة من الجدل بين أبناء المدينة، وتصيب أهل القصر وحراسه بالذهول، ما يقودهم إلى التفكير بضرورة التخلص من هذه الظاهرة المريبة وإخماد الفتنة قبل أن تستفحل بين الجموع.

وفي مشهد المحاكمة نرى القاضي ــ الممثل جمال السميطي ــ وهو يحث رجال الحرس ومعهم القاضي المأجور ــ الممثل وكاتب النص مرعي الحليان ـــ على اختلاق تهم مفبركة وإلصاقها بعلّول من أجل تنفيذ حكم الإعدام به، خصوصاً أن الرصاصة الأولى التي تجول في أنحاء جسده ولا تقتله، حققت له شهرة عالية بين الجماهير، وأوصلته لمرتبة مخيفة من التبجيل والجاذبية والكاريزما الشخصية المهددة لهيبة ومكانة أهل القصر، يسقط «علّول» جثة هامدة وسط الخشبة، وينسحب الجميع، ما عدا الحرافيش الذين يبدأون في دفنه تحت أكوام من علب الصفيح وينتهي المشهد بالتركيز على هذه المقبرة اللامعة، التي ينتفض تحتها جسد علّول، ليعلن مجددا عن قيامة الحلم، وأن صنّاع الحياة لا يهزمهم الفناء، فالرصاصة هي التي تموت في الجسد الرافض للخنوع، ويتعالى صوت التمرد الداخلي مع الكوبليه الغنائي الخافت الذي أشاعه «علّول» في حناجر الصعاليك المتعطشة للحرية، وهي تقول: «ارفعوا رؤوسكم، واملأوا الفراغ» ....

ليمتلئ فراغ الصالة أيضا بالتصفيق لهذا العرض الإماراتي الذي اشتبك مع صرخة المظلومين في كل الأمكنة والأزمنة، واستطاع من خلال نص مرعي الحليان الفائض بالحوارات والأخيلة والدلالات العميقة، ومن خلال معالجة إخراجية ذكية لحسن رجب، وحافلة بالابتكارات المشهدية وبتنقلات الإضاءة المعبرة عن غايات الحكاية ومضامينها المستترة، أن يضيف تجربة جديدة وثرية للرصيد التراكمي في المسرح المحلي، ورغم وجود بعض الهنات والارتباكات في الإضاءة وأداء الممثلين، والناشئة من قلة البروفات وسرعة التحضير قبل الدخول في جو المنافسة القوي مع العروض العربية الأخرى، إلا أن العرض بمجمله وفي إطاره العام استفاد من المزج الواعي والمتزن بين مسرح الفرجة والمسرح التجريبي، من خلال التناغم والتوافق العالي بين هوى الكتابة وهوية الإخراج، وكذلك من جهة استيفاء العرض لشروط الخصوصية والكثافة داخل الحكاية ذاتها، في مقابل الهاجس العام لدى المتلقي والمتقاطع مع مخاض التبدلات في المشهد السياسي الملتبس، وفي المشهد الاجتماعي الصادم والمنصدم بتحولاته. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا