• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  01:25     وزير تركي يقول إن العناصر الأولية للتحقيق تشير إلى تورط حزب العمال الكردستاني بتفجيري اسطنبول         01:30    التلفزيون المصري: 20 قتيلا و35 مصابا في انفجار كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة        01:57    وزير الدفاع البريطاني: السعودية لها الحق في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات    

استئناف «مشروع» الجابري

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 أبريل 2015

عبد السلام بنعبد العالي

لا يطيق البعض منا ثرثرة المثقفين، غير أن ما يقع عليه شبه إجماع هو عدم تحمّل صمتهم، أحياء كانوا أم أمواتاً. وقد لمسنا كثيرا من هذا خلال الأحداث التي عرفتها المنطقة العربية بعد مختلف الانتفاضات. فمن حين لآخر، كانت تعلو أصوات تحتج على صمت المثقفين، وبُعدهم عن الساحة، فتتّهمهم بأنّهم يقبعون في أبراجهم العاجية بعيدين عما يجري. وهكذا، لم يُنظر قطّ إلى ذلك الصّمت في معناه الإيجابي من حيث هو إضراب عن الكلام، وإنما اعتبر دوماً مجرد تقاعس وتخاذل وهروب. إلا أنّ ما كان يثير الانتباه هو أنّ الأمر كان يطال حتى صمت الأموات، حيث أصرّ البعض على استنطاق بعض المثقفين، الذين غادرونا قبل ما سُمّي بالربيع العربي، فتساءلوا عمّا عساهم كانوا سيقولونه لو أنّهم بقوا على قيد الحياة.

يصدق هذا الأمر أكثر ما يصدق على صاحب «نقد العقل العربي». فقد تساءل كثيرون: ماذا كان سيقوله صاحب «الخطاب العربي المعاصر» عمّا يجري لو أنه كان لا يزال بيننا؟ كما تمنّى آخرون لو أنّه عاش كي يرى كيف حاكم «منطقُ» التاريخ المنطقَ الذي حاول الجابري أن ينتقد العقل العربي على ضوئه، فيقف على مختلف أشكال اللا معقول التي غدت تطبع الواقع العربي.

ربما ردّ البعض على كل هذا أن مرمى الجابري لم يكن قطّ تنبؤياً، وأنّه لم يكن يهدف إلى رسم ما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وأنّ ما كان يشغله أساسا، وكما ردّد هو مراراً، هو «إعادة بناء الذات العربية»، ومحاولة الجواب عن السؤال الذي ما فتئ يقضّ مضجع كل من اشتغل بالفكر من عرب معاصرين، أي السؤال:» كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد ويستوعب الجوانب العقلانية في تراثه، ويوظفها توظيفا جديدا؟». كان الجابري إذاً منشغلاً بما مضى وبواقع الحال، أكثر مما كان متطلعاً إلى معرفة ما سيكشف عنه المستقبل. وهو قد مارس السياسة، ليس في الثقافة وحدها على حد تعبيره، وإنما كممارسة تنشغل بقضايا الساعة، وتهتم بالشأن اليومي.

وعلى الرغم من ذلك فقد نجد لهذا الحث على استنطاق الرجل في قبره بعض التفسير، ومردّه، في نظرنا، هو رواسب التحديد الذي كان يُعطى للمثقف، والدّور الذي كان يناط به. فقد كان يُنظر إليه أساساً على أنه من يفكر بدل الآخرين، إلى حدّ أننا ينبغي أن نرى في التساؤل عن ماذا كان سيقوله الجابري عن الربيع ومخلفاته؟ حنينا إلى ذلك المثقف الذي يهدي الناس، وذاك العقل الذي يفكر بدلهم. غير أن ما يبدو أنّ الربيع كشف عنه بالضبط هو كون هذا النّوع من المثقف - الهادي لم يعد له وجود، أو على الأقل لم تعد له ضرورة، وأن الانتفاضات «انفجرت» من غير أن يُتنبأ بها.

وعلى الرغم من كون هذا التّحليل لا يبعد عن الصّواب في كثير من جوانبه، إلا أنّه يظهر أنّه يغفل ما كشف عنه الربيع من جانب آخر، أعني بذلك ما ترتّب عن الانفجارات من فوضى وما أعقبها من لا معقول، وكونها لم تتوفّق كثيراً في فتح الآفاق وفكّ الانسداد. فقد بيّنت عواقب الانتفاضات أن «العقل العربي» ما زال في أمسّ الحاجة إلى نقد، وأنه ما زال يرزح تحت ثقل الوثوقيات بمختلف ألوانها، وأنّ الانتفاضات اقتصرت فحسب على التوجّه ضد السلطة أو الحزب أو الجماعة الحاكمة، ولم تقم ضد العلائق الاجتماعية والعوائد الأخلاقية والأساليب الفكرية والقيم الثقافية، مما من شأنه أن يمكّنها من أن تعيد النظر في مفهومات الإنسان والمجتمع والفكر والتاريخ. فهي إن كانت قد استبدلت أنظمة، فإنها لم تغيّر الذهنيات. وربما، لأجل ذلك، فإن أهداف الانتفاضات سرعان ما كانت عرضة، في أغلب الأحيان، لمقاومة قوى المحافظة والتقليد، وهيمنة الفكر الوثوقي الذي ينطوي بطبيعته على آلية توحيدية ترفض كل تعدد للآراء واختلاف للمواقف، مما دفعها إلى أن تُدخل كل الأمور في دائرتها فتجبرها على الخضوع لمنطقها، مع ما يقتضيه ذلك من آلية إكراهية سرعان ما تحوّلت إلى توتاليتارية فكرية وجدت تطبيقها في حركات عنيفة نفَت كل ما قامت من أجله الانتفاضات، بل أسهمت في زيادة انسداد الآفاق.

لقد كشف تطوّر الأحداث بعد الرّبيع إذاً أنّ الفكر العربي لم يتمكن لا من تملك تراثه ولا من تملك الحداثة نفسها. ولعل الاستعادة الممكنة لتحليلات الجابري في هذا المضمار لن تتأتى إلا باسترجاع ما كان يقوله عن طبيعة العلاقة بين التراث والحداثة، والمعنى الذي كان يعطيه لمفهوم «التملك»: تملك التراث وتملك الحداثة. وفي هذا السّياق ينبغي أن نؤكد أن صاحب «نحن والتراث»، رغم أنه كان يولى عناية كبيرة للتراث، فإنه لم يكن يبتغي تكريس التقليد، ولم يكن يهدف إلى إحياء «مادة معرفية»، أي جملة المعارف التي استثمرها التراث وروّج لها، فقد كان يرى أن للفكر وظائف ومفعولات تجعل في الإمكان التجاوب مع التطلعات الأيديولوجية التي كانت من ورائه من غير حاجة إلى التجاوب مع مادته المعرفية. فاستعادة الجوانب العقلانية في التراث لا يمكن أن تتم باستيراد أفكار، وكل تجديد للثقافة العربية لا بد، وأن يكون تجديداً من الداخل، إلا أنّ هذا التجديد لا ينبغي أن ينغلق على ذاته. صحيح أنه يبدأ بنقد التراث، إلا أنه مجبر على الانفتاح على الحداثة، لا لتقمّصها، وإنما لنقدها و»الكشف عن نسبية شعاراتها».

بهذا المعنى فإن الجابري لم يكن يرى في التحديث قطيعة مع الماضي. التحديث ينبغي أن يكون في نظره تأصيلًا، بل إن التحديث والتأصيل وجهان لعملية واحدة. تقوم هذه العملية في محاولة إرساء المرجعية داخل ثقافتنا للمفاهيم، التي تشكل قوام الحداثة بهدف «استنباتها في تربتنا»، و»ربطها بما قد يكون لها من أشباه ونظائر في تراثنا، وإعادة بناء هذه بطريقة تجعل منها مرجعية للحداثة عندنا». إنها إذاً «بيئة ثقافية» لمفهومات الحداثة، لكنها ليست مجرد إيجاد مقابلات عربية وترجمة مفاهيم و»نقلها» إلى لغتنا وثقافتنا، كما أنها ليست بالأوْلى إثبات سبق للفكر العربي الإسلامي في جميع الميادين، والتفاخر بأن أجدادنا كانوا «السبّاقين على الدوام»، وإنمّا هو استنبات من شأنه وحده أن ينقذنا من مخاطر الحداثة الرائجة عند بعض «الحداثيين» منّا، وأعني تلك التي « تستوحي أطروحاتها وتطلب المصداقية لخطابها من الحداثة الأوروبية التي تتخذها أصولًا لها». التحديث وممارسة العقلانية ينبغي أن يتمّا في تراث «نا» فما لم نفضح أصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث، لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بـ»نا»، ولن يتأتّى لنا ذلك ما لم نقم بمحاولة الحفر في أساسيات المعرفة العربية، ومتابعة الكيفية التي ترسخت عن طريقها «أصول الفكر العربي»، أي مختلف» طرق العمل والإنتاج وأساليب الإقناع ومقاييس القبول والرفض». ولعل في هذا المفهوم عن «التملك» ما يكفي لاستئناف المشروع الجابري، ومواصلة نقد العقل، والحفر في أساسياته.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف