• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

عن تساؤلات الأنثروبولوجي بشأن التحوّلات الراهنة

البشريّة في التّيه

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 أغسطس 2016

نص - بيار جورجيو غاروفالو

ترجمة - عزالدين عناية

يتساءل الناس في أنحاء متفرقة من عالمنا: أين نحن؟ والسؤال بالمعنى التاريخي، وليس بالمعنى الجغرافي. ما الذي نحن بصدد عيشه؟ وإلى أين يجرّوننا؟ وما الذي فقدناه، أو ما الذي غنمناه؟ وكيف السبيل إلى الذهاب قُدماً دون رؤية ثابتة نحو المستقبل؟ لماذا لا نَقدر على رؤية ما يتخطى وجودنا الشخصي؟ ويجيب الخبراء من أصحاب الأجور السخية: العولمة، ما بعد الحداثة، ثورة الاتصالات، التحررية. لكنّها مجرّد مفاهيم للحشو والتهرّب والتملّص لا غير، عن ذلك السؤال الثقيل، أين نحن؟، والواقع أنه «ولا في أي ناحية نحن!». يمكن البدء من هذه العبارة لجون برجر أو من غيرها، مما يعتبر من خيرة ما صيغ حول «نهاية التاريخ»، لكن النتيجة لن تتغير: ثمة إحساس بالتيه ملازم، ومدعاة للتّضارب أيضاً، مع إحساس بمرارة الخيبة. بعد أن تحوّل المرء، أو لنقل بتوصيف دقيق، بعد تحوّل الجميع إلى حمَلة للَقب موحّد، ألا وهو «مستهلِك»، شعاره الأخلاقي «مما هو غير مشروع، ومما لا يليق الشعور بالإشباع»، فـ«المستهلك الصالح» والوظيفي هو ذلك الذي يعيش استبطاناً للحظات النّهم، كسلسلة متلاحقة للشّره المتجدد. وقد حصل ذلك في ظل غياب الحسّ الخلقي لديه، والسلب للقدرة النقدية منه، فمن الصعب الإصغاء إلى الضمير بعد أن جرى التلاعب بذلك الضمير وتحويره، وبشكل عام، لا ندري أين نحن، ولا نعرف ذلك على وجه الدقة؟.

منذ فترة وإلى غاية الأمس القريب، كان الاحتفاء بتسارع عجلة الزمن، وكان يروق لنا هذا التحول من العالم البرّي التقليدي إلى الفضاء الكبير الجديد، بلا ضفاف، مع الإحساس بالمكوث في قلب التاريخ، وفي عمق الحراك الأبدي، بين شتّى الدوامات والابتكارات، وما كان مهمّاً في أي ناحية نقف، أو ما إذا كنّا في صفّ المحافظين أو التقدّميين: فللجميع تموضع، والكل يفكر في امتلاك الكل، بوصف الجميع ماكثين في الشعاب بين الماضي والمستقبل، مع إمكانية اختيار الحلول، وفكّ عقد التحولات الجارية.

أسئلة شرسة

«مجتمع في تحوّل مطّرد»، هكذا مدوَّنٌ في الكتب، ومعيش في الواقع، منذ بضعة عقود. حصل ذلك حين أطلّ عصر السلام والرخاء، عهد الانفتاح على العالم وغزو الفضاء، ووفرة البضائع وتعدد الفرص، جراء التقدم العلمي والتطور التقني... ذلك ما كان يؤثّث مشهدنا التاريخي أو كما بدا لنا. فالمستجدات تمطرنا من كل صوب، في أجواء الصحو وفي لحظات الحرج. والتقدم يبدو خصيباً، وهو ما يجعلنا نعتقد أننا «ولا في أي ناحية نحن»، «ولا مع أي طرف نحن»، فلا تزال أفضل العوالم وأفضل الأشكال متاحة. ومرة أخرى لا يهم مع أي طرف نقف، بل المهمّ إتقان التأقلم مع كل ما هو وافد، حتى وإن كنا لا نعرف أين ومتى ولماذا؟. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف