• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

من الصعب تذكر شعبوية يلتسين ومناهضته الشيوعية وليبراليته وتسامحه ونظرته التقدمية دون الشعور بالندم لما كان ممكناً أن يحدث!

التفكك السوفييتي.. وحدود الشعبوية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 16 أغسطس 2016

ستيفن سيستانوفيتش*

قبل 25 عاماً دبرت مجموعة من متشددي المكتب السياسي للحزب الشيوعي انقلاباً ضد الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف، وأدى السعي إلى الإطاحة به إلى احتجاجات شعبية كبيرة مما أحبط المحاولة في ثلاثة أيام فقط. ومع فشل الانقلاب بدأ النظام الشيوعي نفسه يتفكك. وحينها زعم بوريس يلتسين، منافس جورباتشوف ومنقذه وخليفته في نهاية الأمر، أن «القرن العشرين... انتهى». فقد هزمت سلطة الشعب الدولة السوفييتية. أما اليوم فتمثل الشعبوية الغاضبة قوة دفع للسياسة في كثير من العالم. ويمكننا أن نفهم بالفعل مصدرها والمشكلات التي تمثلها ووعودها المستمرة إذا تذكرنا كيف نجح يلتسين ولماذا فشل في نهاية المطاف.

وقبل الانقلاب، وجد كثير من المراقبين، من الأميركيين والروس على حد سواء، في يلتسين محض زعيم شعبوي يضع عراقيل أمام جورباتشوف الإصلاحي التدريجي المتعقل. وخافوا ألا تؤدي مطالبه الجذرية إلا إلى حشد قوى المحافظين وشق صف الإصلاحيين. ولكن، صحيح أن يلتسين شعبوي إلا أن هذا الوصف أهمل أيضاً إنجازه الحقيقي. فقد أصبح زعيم معارضة أشعلت المقاومة على امتداد البلاد ضد الانقلاب. وقبل الانقلاب بشهرين كان يلتسين قد أحرز فوزاً انتخابياً كاسحاً. وكان السياسي السوفييتي الوحيد المتمتع بتفويض ديموقراطي، وتردد مدبرو الانقلاب في اعتقاله، ومن ثم جعل من نفسه بطلاً شعبياً.

وإذا كانت الحكومات الغربية قد قللت من قيمة يلتسين في تحديه لجورباتشوف فقد عجزت أيضاً عن استبصار ما يحدث إذا لم يستطع يلتسين تحقيق وعوده الشعبوية بعد توليه السلطة. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي في ديسمبر عام 1991 وخلال فترة بقائه في السلطة لثمانية أعوام كرئيس لروسيا الجديدة، سعى يلتسين مراراً إلى اللجوء إلى الخطاب المناهض للشيوعية، ولكن هذا لم ينفعه مع مرور الوقت، بل يتعين على أي ديماغوجي يحصل على السلطة أن يُظهر أنه قادر على تحقيق المطالب، إلا أن يلتسين لم يستطع ذلك. ولعل ذلك الانقلاب ضد جورباتشوف وعواقبه تتردد أصداؤهما اليوم، فالإطاحة الشعبوية بالشيوعية السوفييتية لا تختلف عن الإطاحة الشعبوية في عام 2014 بالنظام الحاكم للرئيس الأوكراني يانوكوفيتش، فكلتاهما قدمتا للزعماء الجدد تفويضاً بالتغيير الجزئي أو الكلي. لقد عاملت الحكومات الغربية الشعبوية باعتبارها عدوها، ولم ترَ فيها قوة للتغيير الأساسي. والسياسة الأوروبية اليوم تشير إلى مقدار ما تغير منذ الشعبوية الليبرالية في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، فالشعبوية الآن غير ليبرالية في كل مكان تقريباً، وتنتعش على أفكار العداوة العرقية والانعزالية والإقصاء، فقد دأب زعماء أوروبا الشرقية وقياداتها على إدانة الصفوة الفاسدة التي يقولون إنها عرقلت الاندماج في مجتمع غربي ديموقراطي. واليوم يعتقدون أن الديموقراطية الحقيقية مستحيلة ما لم يتم التراجع عن عملية الاندماج.

ومن الصعب تذكر شعبوية يلتسين ومناهضته الشيوعية وليبراليته وتسامحه ونظرته التقدمية دون الشعور بالندم لما كان من الممكن أن يحدث، ولكن بعد 25 عاماً لم يفت الأوان بعد كي نتعلم الدروس منه. وأولها أن نعترف بالحشد الإيجابي لقوى الإحباط الشعبي. ففي أوقات الشدة يثق الناس بأمثال يلتسين، ويعولون عليهم ليفهموا دواعي غضبهم. والدرس الثاني أن المبالغة في الوعود من دون الوفاء بها تجعل الشعبوية نمطاً أكثر خطورة. وبمجرد أن يستخلص الناس أن الليبرالية لا تخدم إلا أصحاب الامتيازات، وأن المظالم الشعبية لا يتم رفعها، وأن الإصلاح العادي ينتج ببساطة فاسدين جدداً، ينقلون غضبهم إلى مكان آخر.

* سفير سابق وأكاديمي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست بلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا