• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

يا جبل ما يهزك ريح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 10 أغسطس 2016

يوم الجمعة، الخامس من آب/أغسطس الماضي قامت جماعة إرهابية بإطلاق النار على الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق، أثناء توجهه سيراً على الأقدام لأداء صلاة الجمعة في المسجد المجاور لسكناه. ولكن الله أراد له النجاة ليكشف لنا مستوى الدرك السافل الذي وصله الإرهاب المتطرف الذي سمح بقتل رجال الدين المسلمين لمجرد اختلاف وجهات نظرهم بشأن الأسلوب الخاطئ الذي يمارسونه.

لقد أباح هؤلاء المتطرفون ما حرمه الله من قتل المؤمنين حسبما جاء في سورة النساء، الآية 93: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً). وقال تعالى في الآية 94: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً). كما نهى الله تعالى المجاهدين في سبيل الله عن قتل من رفعوا على رأسه السيف في ميدان القتال، بمجرد قوله: لا إله إلا الله. ومعنى هذا أنه لا يحل للمسلم أن يقتل إنساناً بغير حق، إذا ظهرت منه أي قرينة تدل على احتمال أن يكون مسلماً، ولهذا جاء التعبير في الآية: (... لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ...)، فالأصل أن هذا شعار المسلمين، واحتمال أن صاحبه غير مسلم، ليس مسوغاً لقتله. فكيف يحلل مسلم يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت الحرام، ويلتزم بأحكام الإسلام، في بلد مسلم أن يقتل من يشاء وقتما وكيفما شاء؟؟ أيحل لمن يؤمن بالله وبكتابه وبرسوله وباليوم الآخر، أن يقتل من دون حق؟.

في كلمة ألقاها الشيخ الفاضل بعد محاولة اغتياله الفاشلة، بيّن أن المقصود من هذه العملية هو ترويعه للكف عن كشف زيف التنظيمات المتطرفة التي تتستر بالدين الإسلامي الحنيف وتحرف الشريعة والسنة لتحقيق أهداف وأجندات خارجية لا صلة لها بالإسلام من قريب أو بعيد. ولكن الترويع لا يقل تحريماً عن القتل كما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً».

توقيت هذا العمل القذر جاء قبل يومين من احتفال الشعب المصري بمرور عام على تدشين قناة السويس الجديدة التي بنيت بسواعد المصريين بوقت قياسي أبهر العالم. فهل المقصود سرقة الفرحة ومحو الابتسامة من شفاه المصريين الذين عانوا الأمرين خلال العقود المنصرمة؟. فإن كان هذا المقصود، فهيهات. لأن الشعب المصري قد أثبت طوال تاريخه النضالي المشرف أنه أقوى من أن تهزه ريح صفراء تهب من جحور عفنة تسكنها الكراهية والحقد لكل ما هو جميل.

شهدت مصر في السنوات الأخيرة الكثير من محاولات التخريب والتدمير الذي مارسته جماعات الإخوان المسلمين والتيارات الإرهابية المحسوبة عليه، ويرجح أن تشهد الفترة المقبلة تفاعلات مثيرة للاهتمام في تعامل الحكومة المصرية مع الجماعة. ويرجح أيضاً أن تكون تلك التفاعلات هي الجولة الأخيرة والحاسمة. وقد كشفت بعض الوثائق مؤخراً عن بقايا خلايا إخوانية نائمة في المؤسسات الحكومية تنتظر اللحظة المناسبة كي تنقض على الدولة، وبرصد هذه الخلايا يبدأ العد التنازلي لديمومة هذا التنظيم السرطاني، لأنه ثبت بالأدلة القاطعة أن ما يقوم به هؤلاء الإرهابيون باسم الدين يقصد به تدمير الدين تنفيذاً لأجندات أجنبية لا تريد أن تقوم قائمة لمصر والأمة العربية والإسلامية.

ولكن مصر كانت وستبقى دولة مؤسسات ولديها تراث أيديولوجي عريق حيث اعتادت توفير المناخ السياسي العام المبني على حق الرأي والانتماء، وعلى التعددية السياسية من جهة، ثم القبول بمبدأ توزيع السلطة واقتسامها على أساس توافقي أو تنافسي مبني على مرجعية ميزان القوى وإرادة الرأي العام. وهذا ما تعمل عليه القيادة السياسية بعد مرور خمس سنوات على ثورة 25 يناير 2011، وهي فترة زمنية كافية لاستخراج الدروس والعبر والتعلم من أخطاء الماضي. و«يا جبل ما يهزك ريح».

نصّار وديع نصّار

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا