• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

صلاة خضراء في البحر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 أبريل 2015

لولوة المنصوري

هناك.. حيث الأخضر الحالم يحضنه الماء، جاذبية صمت وتأمل لا تقاوم، شعور يشبه دهشة طفل مشرّد يدخل فجأة في اكتشاف مكان ساحر بعد أن ركض طويلاً بعيداً جداً عن الخوف. إنك بين أحضان غابات القرم طفل حائر مشرد، أو طير جريح جائع، تستغيث بالعزلة والاختفاء عن وجه الأرض، الرحيل هو أن نموت مؤقتاً، لا يحدث ذلك إلا بمتابعة خط الماء، وتيار البحر العريض الذي تكبر فيه القوارب البعيدة، أو قوارب تقربنا من غابات لصيقة بالسماء. أترغب بالاختفاء حقاً ولو لساعة عن الحياة؟ جرّب التوغل داخل ممرات القرم ودهاليزه السرية ذات الطين المرتبك، إنها ترفعك نحو تأرجح سماء كنت داخلها أصلاً في حكمة الشجرة، ترفعك النفخة العلوية هناك عن التراب الأرضي، وتتذكر بأنك بدأت في الطين والمادة إلا أنك تصعد الآن في رحلة علوية، لتغدو ساقاً، أو أغصاناً أو أزهاراً وثماراً، تعلو بروحك فوق البحر الغامض، تفارق المجهول الذي انبثقت منه، إلى عمق مجهول أكبر.

شجرة تنبت في جوف ماء البحر، والبحر عدو كل شيء من الشجر إلا القرم، لأن القرم يشبه فطرتك المتمردة، يشبهك في التشرد وتحدي ملوحة الحياة والرغبة الجامحة في سرد الأسئلة، القرم سؤال كبير يقذف نفسه على رأس الموج الهادر ويتمدد، مانعاً بذلك تآكل الشواطئ، شواطئ الروح الباحثة عن الأمان في الأجوبة، لكن لا جواب يأتي مع البحر، واصل السؤال أيها الصاعد في عمق المجهول الحالم ولا تكترث بممرات التيه، تحت أنفاس أوراق القرم والنداءات الخفيفة لطيور الفلامنجو وصدى اللقالق وأغاني الطيور المهاجرة، ستجد ملاذاً تخبئ فيه روحك، وتعيد اغتسالها من جديد، عزلة مطمئنة مع الله، تقيك من جحيم أطماع الآخرين.

غابات القرم المعرّشة بأيكاتها النائمة في وداعة السلام، حيث امتداد رائحة الخليج وملوحته الهائلة، وصفاء وصمت ينفتح على جاذبية إلهية لا يمكنك مقاومتها، ثمة سحر روحاني يمشي في ذروة تلك الصلاة الخضراء في الماء، ثمة حنين جارف، نوستالوجيا غريبة تعتّق ثغور قميص الهواء الفضفاض على الأرض كلما هب طير من طيور الفلامنجو محلقاً بجسده العجائبي الأبيض وساقيه الحمراوتين فوق حقول القرم الواسعة، انعكاسه المهيب على صفحة الماء يهبه تمدداً وانسحاباً أكبر في المرآة الوجودية، فتخال أنه ربما كان في الأصل إنساناً حاول في زمن ما أن يجرب لذة الطيران، ارتفع وحلم بالأعالي أكثر، لكنه لم يلبث أن سقط في الماء وتلقفته تويجات القرم، أدمغته في جذيرها الجنيني، زودته أكسجين نبات الأم، رفعته التويجات مجدداً إليها، حولته إلى طير من سلالة السلام والحلم والمحبة، تتأسى به وقت انحسار الماء في الجزر وحين يشحب الخليج ويزفر برائحة الطحالب والأسماك الميتة.

الفلامنجو المنعكس على الماء، يبدو في الحقيقة إنساناً حين يطير، نافضاً عنه كل المساحات الطينية الواسعة.

وفي هدأة المد المنحسر، وانحسار مد إحساسك الأرضي، تخرج بحذر بليغ من حفرها الصغيرة كل السرطانات الصغيرة والقواقع، لقد ظنتك من فرط سكونك الغزير أنك تحولت إلى شتلة صغيرة من القرم على الشاطئ، لذا ستحتفل جماعات السرطانات من جديد، وتشهد أنت دبيبها الحر وقرقعتها على الرمل، لكن ما إن تحرك غصناً ضئيلاً فيك حتى تصاب بالذعر وتدس نفسها على عجلة في الحفر الضيقة.

البشريّ حين أتى ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف