• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

الإعلام ومواجهة التطرف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 07 أغسطس 2016

إن ما نعيشه من تطرف فكري باسم الدين ناتج من تراكمات صاحبت البنيان الوطني، أفضت إلى وصول حدة التناقضات في البنية الاجتماعية إلى أفق مسدود ومأزق، تجلى بشكل واضح في صراعات وحروب تشهدها المنطقة في سوريا والعراق وليبيا واليمن، وقد تلقي بظلال سالبة على كل المنطقة، نتيجة لاستثمار دول ذات نفوذ لهذا الصراع لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية بل وإطالته لإنهاك الدول، واستنزاف خيراتها وما تحقق من إنجازات، لذا فإن معالجة العوامل الداخلية التي كانت معول هدم وتهديد في مرحلة بناء الدولة الوطنية واجب وطني وأخلاقي.

ومن أوجب الواجبات اليوم فضح خطاب التطرف الذي يعمل على قاعدة «إن كل من معي فهو ناجٍ وعلى حق، ومن هو ضدي فهو في النار وقتله واجب»، وفضح الغلو والتنطع ابتداءً من المناهج والتربية، خاصة أن بعض هذه المناهج وكذلك أساليب التربية يستعدي الآخر منذ نعومة الأظافر من خلال التفسير والتأويل الخاطئ لآيات القرآن الكريم، وكتب التاريخ التي تجمدت في لحظة زمنية ووقفت عندها، ومن هنا تتولد فكرة الإرهاب لتشكل بناءً فكرياً مغلقاً على ذاته، منقطعاً عن الحاضر، غير مكترث بالمستقبل، مستفيداً من حواضن ينتجها المجتمع من خلال التربية والمناهج والبناء الاجتماعي، وحالة اللامبالاة في كثير من الأوساط داخل المجتمع على الرغم من ظهور التطرف الديني وتهديده لكيان الدولة.

إن تمدد الإرهاب رهين بدرجة وعي المجتمع، فكلما سادت ثقافة التسامح وقبول الآخر المختلف تراجع الفكر المتطرف، وهزم مجتمعياً، وكلما كان المجتمع يعج بالتناقضات وبناها مشدودة نحو الماضي كلما كان خطر الفكر الإرهابي أكبر، لذا فالانتقال إلى ثقافة جديدة وتغيير الخطاب الديني عامل يؤدي إلى تماسك المجتمع وخلق رأي عام ضد التطرف.

انتشار الإرهاب في العالم واتخاذه مجراً أكثر خطورة في منطقة الشرق الأوسط يتطلب من الإعلام أن يكون رأس الرمح في محاربته واجتثاثه وفضح وكشف الدعاية التي يبثها ويجذب بها الشباب، وبما أن الإعلام معني بالرأي العام، عليه تشكيل رأي عام ضد الغلو والتطرف بنشر فكر التسامح وقبول الآخر، فلم يعد الإعلام معنياً بالخبر فقط، وإنما من مهامه تأسيس عقل نقدي يفكك خطاب التطرف ويقف بقوة ضد استثارة العواطف الدينية لأغراض سياسية ودنيوية.

والإنترنت على الرغم من تنوع مواده إلا أن هناك معضلة يواجهها الشباب وهي كيفية تصفحه، وهذه ثقافة يجب أن يلعب الإعلام فيها بقسط وافر وكبير، وعلى الإعلام كذلك دور تنويري يرفد فيه الشباب بكل ما ينمي العقل ويبعده عن فكر التطرف، مع ملاحظة أنه على الرغم من المتغيرات الضخمة بفضل الثورة المعلوماتية إلا أن آليات النظام الإعلامي وطبيعته ظلت على حالها.

وعلى صعيد الفكر المتطرف هناك استغلال واضح لوسائل التواصل الاجتماعي في التجنيد وبث السموم، من خلال خطاب ديني مؤثر عاطفياً، مستفيداً من العلوم الحديثة، والمتتبع لهذا الخطاب يجد أن هناك قواعد يعملون بها في مقدمتها التلاعب بالناس وتوجيه سلوكهم والسيطرة على أفعالهم، والتركيز على انصراف الشباب عن المعارف الضرورية لبناء الشخصية، والتدرج مع الضحية إلى السيطرة على إرادته، واستثارة عواطفه، وإلغاء عقله، ومخاطبة الشاب حسب حاجاته، وجعله مسؤولاً عن تعاسته وذلك بتحميله كل ما يحدث من ذنوب في العالم باعتبار ذلك ذنبه وحده.

ودور الإعلام كشف هذا الخطاب التضليلي، والتوعية بمخاطره، وما يبثه من سموم لزرع الفتنة بين أفراد المجتمع، ولكي تكتمل رسالة الإعلام على الدول اتخاذ سياسات وإجراءات تركز على حل قضايا الشباب ووضع خطط تنموية ترتقي بحياة الطبقات الفقيرة والضعيفة.

لارا الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا