• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

لن يقلل الاعتذار من شأن تركيا، بل سيعمق احترام الآخرين لها. والاعتذار يخدم مكانة المُعتذر ويؤشر على ثقته بنفسه

قضية الأرمن.. واعتذار تركيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 14 أبريل 2015

قرن كامل يمر هذا الشهر على وقوع مذابح الأرمن التي يُؤرخ لها بيوم 25 أبريل 1915. وتستدعي هذه المناسبة تأملاً مطولاً في جوانب القضية الأرمنية، وهو ما ستحاول هذه السطور وكاتبها القيام به في أربع وقفات في مقالات هذا الشهر (تغطي «اعتذار تركيا» و«مواقف العرب» و«أرمن العالم» و«أرمن القدس»). وفي ذلك العام وما سبقه من سنوات، كانت الإمبراطورية العثمانية تنهار بتسارع: داخلياً وخارجياً. في الداخل، كانت سياسات السلطان عبدالحميد الثاني الاستبدادية قد أدخلت الدولة مترامية الأطراف في طور التجمد والتكلس. وكان بإمكان الإمبراطورية الآيلة إلى الأفول تفادي طور التجمد أو على الأقل تخفيف وطأته وشدة الارتطام اللاحقة له عبر تبني إصلاحات دستور 1876 الذي أعده مدحت باشا، والتي كان من المفترض أن تؤسس لحياة برلمانية. ولكن السلطان عبدالحميد كان له رأي آخر!

في الخارج، كان أعداء السلطنة، في الشرق روسيا القيصرية وفي الغرب دول أوروبا التي سيضمها لاحقاً محور «الحلفاء»، يراقبون عن كثب تهالك الحصان العثماني وشيخوخته المُتعبة، منتظرين فرصة الانقضاض على أطرافه. وعلى الحدود الشرقية تحديداً استعرت حروب ومعارك شنتها روسيا من أجل أراض كانت ترى أن الدولة العثمانية احتلتها منذ القرن السادس عشر، ومنها أرمينية المسيحية. ومع روسيا ثار الأرمن مطالبين بالاستقلال. وكان ذلك في الوقت والزمن نفسه الذي ثار فيه العرب في الحجاز وبلاد الشام على الدولة العثمانية، مطالبين أيضاً بالتحرر والاستقلال. والأرمن، كالعرب، طالبوا بالانفصال عن إمبراطورية لم يبق فيها عنصر قوة سوى سياسة التتريك القائمة على إقصاء كل ما هو غير تركي (سواء أكان مسلماً أم غير مسلم)، توازياً مع اشتداد قوة حزب الاتحاد والترقي وتهميش «الباب العالي» تماماً.

وفي سياق المعارك الحدودية والاستقلالية (أو الانشقاقية من وجهة نظر سياسة الاتحاد والترقي وبقايا سياسة العثمانية)، ثار الأرمن على الحكم التركي الطويل لبلادهم وأراضيهم، ومع ازدهار فكرة القومية في أوروبا تبلورت مطالبهم القومية بالاستقلال، وتحالفوا مع روسيا. وكان الرد العثماني صارماً ولا هوادة فيه، وقام على اعتبار الأرمن، وهم نظرياً واسمياً من رعايا الدولة العلية، خونة وعملاء للغازي الأجنبي، روسيا. وعلى مدار سنة 1915، تعرض الأرمن لواحد من أبشع فصول التوحش والقتل. وتزعم الشواهد التاريخية أن عشرات الآلاف من المدنيين كانوا يُساقون من قراهم ومدنهم ويقتلون إما ذبحاً أو رمياً بالرصاص. وكان عشرات آلاف آخرين يجبرون على الهجرة الفورية تاركين وراءهم كل شيء، ويجبرون على التوجه إلى الصحراء والأراضي المفتوحة التي لا تنتهي وليس لهم أمل في الخروج منها أحياء. والمحظوظون منهم استطاعوا اختراق المساحات الهائلة والوصول إلى شمال العراق أو سوريا وارتموا منهكين وجائعين بين أيدي العرب، سواء في البوادي أو المدن. ومنهم من واصل رحلته جنوباً وغرباً وصولاً إلى لبنان وفلسطين، وفي المدينة المقدسة كانوا في رعاية مستضيفيهم المسلمين وكثير منهم اقتحم الحي الأرمني في قلب القدس القديمة وصار جزءاً منه.

طلعت باشا (1874 1921) هو الاتحادي (والعثماني في آن معاً) الذي يُعتبر تاريخياً المهندس الأهم للمشكلة الأرمنية. فالباشا كان من قيادات حزب «الاتحاد والترقي» كما وصل إلى منصب الصدر العثماني الأعظم سنة 1917، وكان وزيراً للداخلية في سنة 1915 وما بعدها. وقد ترك طلعت باشا تقارير مفصلة وموسعة تضمنت آليات تهجير الأرمن ليس فقط في منطقة الحدود الشرقية لتركيا، بل وفي كل أرجاء الدولة.

تركيا الحديثة والمتشكلة أنكرت دوماً حدوث «الإبادة الأرمنية» ووقوعها نتيجة لسياسة تركية مرسومة سلفاً. وما يتبناه الموقف التركي الرسمي، وإلى حد كبير الأكاديمي والإعلامي، هو أن «مقتلة» الأرمن كانت نتيجة غير مقصودة من نتائج الحرب العالمية الأولى، وتحديداً مع روسيا القيصرية في الشرق. بيد أن أدلة وشواهد من ذلك التاريخ وحتى الآن، أكدت وجود سياسة قصدية كانت تهدف إلى القضاء على الأرمن العثمانيين باعتبارهم «طابوراً خامساً» داخل الإمبراطورية. والموقف التركي التقليدي قام على التوتر من مراجعة الماضي والخشية من فتح ملف مرير قد يفتح ملفات لا حصر لها، أولها التعويض المادي الذي قد يلحق بأي اعتراف واعتذار سياسي ورسمي.

ولكن تركيا اليوم وصلت مرحلة النضج والثقة بالنفس ومستوى من المكانة السياسية يؤهلها لمواجهة أي حقب مظلمة من ماضيها. والاعتذار عن المذابح الأرمنية هو استحقاق طال انتظاره من تركيا، من وجهة نظر الأرمن، ولذلك فإن الحكمة تقضي بأن يتم استثمار الذكرى المئوية للحدث الأرمني وتقديم الاعتذار الرسمي التركي للأرمن وأحفادهم. ولن يقلل ذلك من شأن تركيا، بل سيعمق احترام الآخرين لها. والاعتذار يخدم مكانة المُعتذر ويؤشر على ثقته بنفسه، والإنكار يخفض مكانة المُنكر ويؤشر على اهتزاز ثقته بذاته... وتوتره وهشاشته!

د. خالد الحروب

*كاتب وأكاديمي عربي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا