• الأحد 28 ربيع الأول 1439هـ - 17 ديسمبر 2017م

«المقرنصات».. أيقونة الفنون الإسلامية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 يونيو 2017

مجدي عثمان (القاهرة)

في كتابه «حضارة العرب» الصادر عام 1880، ذكر المستشرق الفرنسي «كوستاف لوبون» أن العرب كانوا يكرهون ما كان يحبه الإغريق من الأوجه الملس الموحدة الزوايا والأشكال القائمة، فكانت رغبتُهم في ملء زوايا الجدر القائمة وفي وصل القباب المستديرة.. ينشؤون الكوات الصغيرة الناتئة المثلثة الكروية المسماة بالمتدليات، لتدلي بعضها فوق بعض كخلايا النحل، كما يشير المستشرق «أوليك كرابر» أن المقرنصات كأنها عملت من وحي التصميم المعماري للمبنى، ونجدها في بعض الأحيان تُلفت النظر إلى أجزاء المبنى الرئيسة، وفي اتفاق على انتماء عنصر «المقرنص» إلى العَمارة الإسلامية، يقول أيضاً خبير العمارة الإسلامية «جون د. هوك» في كتابه «العَمارة الإسلامية»: لم يرد عنصر المقرنص في أي طراز من طرز العَمارة في العالم المعروفة لليوم، ثم تأتي كأقدم التحاليل ما ورد من المستشرق «شارل بلان» في أواسط القرن التاسع عشر الذي قال: إنها نشأت عن ضرورة إحداث الظلال بالوسائل الناتئة.

ومن جهة أخرى، يقول المصري د. صالح لمعي، إنها وردت من أرمينيا والجزيرة الفراتية في شمال الرافدين بسبب ظهورها في مصر للمرة الأولى مجسدة في مسجد الجيوشي للوزير الأرمني الأصل بدر الجمالي عام 1085م، وكذلك من أقدم الأمثلة الباقية تلك الموجودة في سور القاهرة بجوار باب الفتوح وتعود لعام 1087م، ثم بوابة جامع الأقمر الفاطمي من عام 1125م.

والمقرنصات استعملت في المساجد كعامل إنشائي، ثم كعنصر زخرفي للتجميل، وقيل إنها أم الفنون كونها تجمع بين فن البناء والنحت والرسم والخط والزخرفة.

وقد تعددت أسماء المقرنص، فهو «مقرنص» في المشرق و«مقربص» في المغرب الإسلامي، و«دلايات» في مصر، وفي المعجم الوسيط «مقرنس»، وقرنس السقف والبيت زينه بخوارج منه ذات تدريج متناسب، وهي كلمة مفردة ولكنها تعني الجمع وفحواها التدريج، ويعتقد أنها اقتبست وعربت بإضافة «م» العربية لها، بغرض تفعيل اللفظة اليونانية «كارنيس» ومعناها النتوء الخارج من البناء، ويرجع الفضل في ابتكارها وتطورها إلى العرب الساميين، ليتمّ بوساطتها الانتقال والتحول من الشكل المربع إلى الدائري، لترتكز على الحافّة السفلي للقبّة.

وهناك عدد من الأمثلة المعماريّة المبكّرة التي استخدمت الطاقة المفردة «الحنية الركنيّة» مثل قُصَير عمرة، وحمام الصرخ في الحجرة الساخنة في الأردن، وفي جامع أحمد بن طولون في مصر، وأيضاً في الأندلس قصور الحمراء التي بناها السلطان يوسف الأحمر «733 - 755هـ/‏‏ 1333 - 1354م»، وابنه محمد الخامس «755 - 792هـ/‏‏ 1354 - 1391م».

أما في بلاد الشام، فقد استخدمت أوّل مرّة في العناصر المعمارية والزخرفية في العهد السلجوقي والأتابكي ما بين 1075 - 1175م، والتي شيّدها الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي الملقّب بالشهيد، والقبوَة بالمدرسة النورية الكبرى في سوق الخياطين، وقبّة البيمارستان النّوري وقبوته في محلة الحريقة، والتي تغطّيها المقرنصات من الداخل والخارج.

ونفذت المقرنصات على مدار العصور بمواد مختلفة، من أهمّها الحجر والخشب والجصّ، وغُطّيت ولُوّنت بأنواع مختلفة من الطلاء والقاشاني.

وتوجد أنواع عدة من المقرنص، لكن أهمَها يرد في مصر بأسماء الحلبي والشامي والبلدي ومقرنص بدلاية والمثلث، ونجد في المغرب قد استعمل مسميات للأجزاء السبعة المكونة للمنظومة التركيبية للمقرنص «الشربية - تسنية مفتوحة - الكتف - الشعيرة أو السروالية الصغيرة - الدنبوق - اللوزة المستعملة في طاسة الذروة - السروالية أو البوجة - التستية المسدودة»، ولكل اسم شكل مقابل، ويتم صنعه من نحت الخشب وتركيبه على بعض، ويستخدم الجبس أو الحجر الصناعي مضافاً إليه الرخام المطحون في صب المقرنصات، بينما يكثر استعمال الحجر المنحوت في مصر.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا