• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ما تراه حولك من زعيق وثرثرة ودم ودمار وإرهاب ليس سوى دليل ساطع على ضعف وهشاشة الأمة العربية وفقدانها لقوتها الناعمة، وعلى رأسها الدين

أمَّة ناعقة زاعقة.. في مواجهة الصاعقة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 03 يناير 2016

قال أعرابي للقاضي رداً على شكوى امرأته: هذه حال المرأة دوماً عندما تهرم، ينقطع نسلها ويحد لسانها وأذناها ويتصلب قلبها وتسيل عيناها وتهبط صورتها ويعلو صوتها، ويلين منها ما كان صلباً ويتصلّب ما كان ليناً، ويغلظ ما كان رقيقاً ويرق ما كان غليظاً، ويضعف ما كان قوياً، ويقوى ما كان ضعيفاً. وأنا أقول إن هذه حال الأمم أيضاً حين تهرم وتضعف. فالأمم أيضاً تولد وتنمو وتشب وتهرم وتموت. والأمم لا تموت كما يموت الأفراد، ولكن يموت فيها ما كان حياً. فتبدو موجودة، ولكنها بلا حياة، وتتداعى عليها الأمم تداعي الأكلة على قصعتها، وتتجمع عليها كل القوى الإقليمية والدولية تجمع النسور على الفريسة أو حتى على الجيفة، ويتحوّل الناس في الأمة المتهالكة إلى فئران تجارب للآخرين. وإلى أهداف لتجربة الأسلحة الجديدة، وإلى مدفن للنفايات السياسية والقيمية. وتفقد الأمة الميتة أصلها لتصبح صورة ممسوخة ومشوهة لأمم أخرى، وتتحول إلى أمّة تابعة بعد أن كانت متبوعة، وإلى مفعول به بعد أن كانت فاعلاً وتفقد تماماً ما نسميه القوّة الناعمة ليحل محلها الضعف الخشن والهوان الفظ. ويفقدها هذا الضعف الخشن الصدق والوضوح، لأن الضعف ينتج الخوف المرضى، والخوف ينتج الكذب والنفاق، وهذا هو السبب في شيوع الكذب والنفاق بأمتنا. وهذا هو السبب في سهولة خداعنا والضحك علينا. وهذا هو السبب في أننا نستبدل زوجاً مكان زوج في قضايانا. فإذا تخلّت عنا أميركا، نستبدل بها روسيا، وإذا تقطعت بنا السبل نلجأ إلى الأمم المتحدة (والمتغطي بالأمم المتحدة عريان)، فهي لا تحمينا من شمس ولا زمهرير.

وعندما وقعت أعاصير الخريف العربي المشؤوم كانت شعارات ما يسمى الثورات هي إسقاط الأنظمة العميلة والفاسدة. وانخدع الناس كعادتهم دوماً وتوهموا أنها ثورات المعارضة الوطنية ضد الأنظمة العميلة. وبعد قليل تبين لنا أن العمالة في أمتنا قضاء وقدر، وأن المعارضة أيضاً عميلة، وأن الوطن لا وجود له في أجندتها، وأن هذه المعارضة تغطت أيضاً بقوى إقليمية ودولية وبالأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية. وبكل أدوات الاستخبارات حتى أنني قلت ساخراً لأحدهم: أستطيع أن أقول إن أعاصير الخريف العربي دشّنت مصطلحاً سياسياً جديداً هو مصطلح «العمالة الوطنية» أو الخيانة الوطنية. ولكن الفرق أنكم أطلقتم أسماء جميلة على أفعال قبيحة، فأصبح العميل ناشطاً حقوقياً، والإرهابي جهادياً، ولم يعد هُناك فرق بين سبيل الله وسبيل الشيطان.

وكل ما تراه حولك من زعيق وثرثرة وصراخ ونعيق ونحيب ودم ودمار وإرهاب ليس سوى دليل ساطع وبرهان ناصع على ضعف وهشاشة الأمة العربية وفقدانها تماماً لقوتها الناعمة، وعلى رأسها الدين. فالدين الإسلامي أعظم قوة ناعمة خص الله تعالى بها هذه الأمة، ومنه انبثقت كل القوى الناعمة الأخرى من علوم وفنون وقيم وأخلاق وأدب وشعر وسياسة. وبهذه القوّة الناعمة انتشر الإسلام في العالم وصارت الأمة متبوعة وقدوة وفاعلاً أصيلاً في الشؤون الدولية.

وعندما دب الخور والضعف في أوصال الأمّة خارت قوتها الناعمة، وتصحرت منظومتها القيمية وعقم رحمها وحد لسانها وصارت كالببغاء عقله في أذنيه. وصار مثلها كمثل الغراب الذي ينعق بما لا يسمع. وحل الضعف الفظ والخشن محل القوة الناعمة، بل إن أدوات القوّة الناعمة هي نفسها تحولت إلى أدوات الضعف الخشن والفظ والغليظ، فأصبح الدين فظاً، وصار الأدب والفن والعلوم والإعلام والسياسة والموالاة والمعارضة فظاظة وفجاجة ووقاحة وجعجعة بلا طحن، وزعيقاً ونعيقاً وجدلاً وثرثرة.

وكل ضعيف عنيف ومتطرف، وكل مفلس مالياً وفكرياً متوتر وغضوب. وكل منافق هش وضعيف، وفاجر في الخصومة وغادر في العهد وكاذب في الحديث. وعندما ضعفت الأمة تحولت قوتها الناعمة وعلى رأسها الدين إلى ضعف خشن. والإرهاب علامة ضعف، أو هو الطفح الجلدي على جسد الأمة المريض والمتهاوي. وهذا (الزعيق والنعيق والنحيب والعواء) في كل مجال حتى في الفن والرياضة يؤكد ضعف الأمّة ولا يؤكد قوتها.. وغياب الموضوعية وشيوع الذاتية والشخصنة دليل آخر على الضعف.. ونحن نتكلّم في السياسة ولا نمارسها ونفتي في الدين وليس في قلوبنا ونحلل كرة القدم ولا نلعبها وقولنا، وألسنتنا وأقلامنا تجوب العالم كله. لكن فعلنا لا وجود له في أي مجال.. والمعارضة في أمتنا أبعد ما تكون عن الوطنية وهي تجارة رابحة جداً لمن يمتهنها.. وأجهزة الاستخبارات الدولية والقوى الكبرى توافقت على إسقاط أو إضعاف الدول القومية في أمتنا عن طريق إعلاء شأن المعارضة وتصديقها ولو كذبت، وتكذيب السلطات الشرعية ولو صدقت. والمنظمات الحقوقية التي هي أذرع للاستخبارات الدولية تبني تقاريرها بشأن الدول العربية على ما تقوله دكاكين المعارضة والمجتمع المدني. وكل الانتهاكات وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية منسوبة إلى الدول القومية والسلطات الشرعية، لكن لا توجد أي إدانة للجماعات الإرهابية والمسلحة، وما تسمي نفسها فصائل المعارضة والمجتمع الدولي، يسوي بين الشرعي المعترف به دولياً وغير الشرعي في اليمن وسوريا وليبيا وكل دول الخريف العربي. والمجتمع الدولي يستخدم المصطلح السخيف (مناشدة جميع الأطراف ووقف الانتهاكات والجلوس على طاولة التفاوض). وهو مصطلح يؤكد ميل هذا المجتمع الدولي إلى إضفاء شرعية على غير الشرعي. ورغم كل هذا الغثاء، ما زلنا نعول على المجتمع الدولي والأمم المتحدة، لأنّ الأمّة ضعيفة، ولأنها بلغت حالة من السيولة، فقدت بها الصلابة والبوصلة وأصبحت في مهب عاصفة توشك أن تقتلعها من جذورها، وتكتفي بالجلبة والجعجعة بلا طحن والزعيق والنعيق في مواجهة الكارثة. فإلى متى تبقى الأمة زاعقة ناعقة في مواجهة الصاعقة؟!

*محمد أبوكريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا