• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

جرجي زيدان لضحاياه

شِباك النقد الديماغوجي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 أغسطس 2016

حنا عبود

يخبرنا أفلاطون في جمهوريته، أن الأنظمة السياسية تتكاثر كالفيروسات الفتاكة، أوليغارشية وديموقراطية وتيموقراطية وديكتاتورية واستبدادية حزبية... أما الديماغوجية، فهي أسلوب تضليل لا يخصّ نمطاً من الأنظمة، يرفع شعار العامة ويحقق أطماع الخاصة. سلوك تتقنه الثعالب بغريزتها... بعد مكيافيلي صارت الديماغوجية نهجاً له قواعد وأصول، يتدرب عليها المرشحون لكراسي الحكم. ويقال إن من كانت الديماغوجية في طبعه، أمهر ممن يتعلمها.

أدرك رجال النهضة العربية خطورة تلك الآفة/‏‏ الديماغوجيا، وكيف تنمو سريعاً في الدين والقومية، فاجتهدوا لإبعادها عن هذين الميدانين المهمّين والخطيرين، اللذين يؤثران مباشرة في حركة النهضة. وكانوا مخلصين لهذا الشعار في غالبيتهم. كانوا يعلمون أن الخوض في المسائل الدينية سوف يفضي إلى الطائفية والمذهبية، وبالتالي تمزيق الأمة. ومع ذلك اكتووا بنار الديماغوجية الدينية، فاتهم الكثير من رجال النهضة بالانحراف عن الدين، ونال طه حسين وأحمد لطفي السيد وإسماعيل مظهر وعلي عبد الرازق... وسواهم القسط الأكبر من النقد الديماغوجي، حتى عندما يتحدث أحدهم بعيداً عن الدين كالجاهلية، أو شعر الغزل، أو شعر المجون، أو شعر الخوارج، أو الثورات التي هبت في وجه الحكم المستبد، أو نظرية التطور، أو توزيع الثروة، أو الثقافة العالمية الجديدة.

وفي منتصف القرن العشرين عانى الأدباء والنقاد عنت المتزمتين القوميين، ربما أشد مما عانوا من المتزمتين الدينيين. وكان أخطر التيارات السياسية التيار الذي يجمع بين الدين والقومية. وقد شجعت الأحداث الشرق أوسطية هذا الاتجاه، كالنكبة والنكسة وقضية اللاجئين الفلسطينيين... واستطاعت الديماغوجية أن تتسلل من هذا التيار، إلى الأدب والنقد الأدبي، فاصطادت في شباكها معظم رجال النهضة، ولم ينجُ من اتهاماتها وافتراءاتها إلا أقل القليل.

النّاجون

لم يسلم من النقد الديماغوجي إلا القليل من رجال النهضة، فحتى الذين لا مأخذ عليهم يهملون في المعاجم والموسوعات الفكرية والأدبية على الشبكة العنكبوتية كالزيات والمنفلوطي... وكان جرجي زيدان من جملة الذين نجوا من سلاطة الديماغوجية، كما أن رجال النهضة لم يخاطبوه إلا بما كان متزناً ورصيناً مع كل الاحترام والتقدير. وقد أعجب العقاد بشخصية زيدان إعجاباً شديداً وأبرز سعة علمه وأصالة حياديته في كتابه «رجال عرفتهم». ويروي أنه قصده ليسأله: أي الفلسفتين أصدق: فلسفة التشاؤم أم فلسفة التفاؤل؟ ويصف تلك المقابلة: «قال لي في بساطة الرجل الذي يتحدث عن الجو أو أحاديث السمر العارض: نعرف من التشاؤم مزاج صاحبه كما نعرف ذلك من التفاؤل، وقد يكون رأيهما واحدًا في حقيقة من الحقائق العلمية، أو الفكرية، ولكن هذا يجعله سببًا للرضا والآخر يجعله سببًا للسخط على حسب مزاجه، فليست المسألة معهما مسألة صحة أو بطلان، ولكنها مسألة التأثر على حسب المزاج». وينهي العقاد كلامه عن زيدان بقوله: «وقد كتب جرجي زيدان في كل مسألة من مسائل عصره الاجتماعية والفلسفية والأدبية، فكان في كل منها بسيطاً تلك البساطة التي عهدناها منه وهو يتكلم عن أسلوب البكري، أو عن كتاب فلسفة الجمال، أو عن فلسفة التفاؤل والتشاؤم، ولكنه قال فيها جميعاً رأيه الذي لم يناقضه العلم، ولم يأتِ بما هو أثبت منه على اختلاف النظر في الأمور». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف