• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

يرى أن الديموقراطيات الغربية رهينة السوق!

يورغن هابرماس: الفلسفة «تهشّم أوهامنا»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 أغسطس 2016

حوار ـ ميكائيل فوسيل

ترجمة ـ عز الدين عناية

في هذا الحوار مع الفيلسوف الألماني العملاق يورغن هابرماس، يثير الصحفي ميكائيل فوسيل عدداً من القضايا المركزية في الفلسفة، يتساءل عن دورها وما تحمله من وعود لعالم يرتهن حتى أذنيه لمتطلبات السوق واشتراطاتها، وعن العلاقة بين إنجاز هابرماس الفكري ونهج مدرسة فرانكفورت الفلسفي إبان فترة الثلاثينيات، ومشروعه الفلسفي المتمثل في «نظرية الفعل التواصلي»، وكيف يتمحور ذلك المشروع بتأويل جديد لمصطلح «العقل»؟ وعجز العقل الوظيفي عن إنارة الدروب المعتمة للحداثة؟ وحصة الفلسفة الأنغلوسكسونية في وعي الفلسفة بذاتها وبحدودها، ودور الفلسفة أو وعودها في عالم يرتهن للسوق الكونية واشتراطاتها وآلياتها... وغير ذلك مما تجدونه في ثنايا هذا الحوار الذي نشرته مجلة «فيتا إي بنسييرو» الإيطالية... هنا ترجمة لنص الحوار:

* بات معتاداً ربط إنجازاتكم الفكرية بالعمل المنطلق مع مدرسة فرانكفورت إبان فترة الثلاثينيات، أي صياغة نظرية نقدية للمجتمع منوط بعهدتها بناء مشروع تحرّر في عالم تطغى فيه الرأسمالية التقنية، لكن حينما باشرتم عملكم عشية توقف الحرب العالمية الثانية، كانت تسود في ألمانيا صورة فاترة عن فلسفة واهنة، إن لم نقل متواطئة مع الاشتراكية القومية. ما الدوافع وراء ذلك الخيار؟ وهل للأحكام المتشائمة عن العقل المتضمّنة في «جدلية التنوير» لهوركهايمر وأدورنو دورٌ في خياراتكم الفلسفية المبكرة؟

** لا، ليس الأمر على تلك الشاكلة. لم تطأ قدماي فرانكفورت سوى بحلول العام 1956، حيث بعد سنتين ناقشت رسالتي عن شيلنغ في بون. ولتوضيح كيفية وصولي إلى «النظرية النقدية»، ينبغي أن أخطو خطوة إلى الخلف. بين 1949 و1954 كان متعذراً تقريباً التتلمذ في الجامعات الألمانية على أيدي أساتذة يخلو سجلّهم من التواطؤ مع النازية، أو مبرَّئين من تهمة الولاء للنظام. ومن زاوية أخلاقية وسياسية، كان الفساد ينخر الجامعة الألمانية، ولهذا ثمة انفصال لافت بين دراساتي الفلسفية وقناعاتي اليسارية، التي تشكلت في خضمّ النقاشات حول الأدب المعاصر، وحول العروض المسرحية الكبرى وحول السينما، لكن إبان فترة تكويني الدراسي كنت على دراية بأعمال ماركس وأنجلز ناهيك عن اهتمامات بالمادية التاريخية. وبموجب ذلك الشغف، ربما من المنطقي دراسة علم الاجتماع، لكن ذلك التخصص كان غائباً في جامعتي بون وغوتينغن حينها، حيث استهللت دراستي. في ختام مشواري الجامعي نلت منحة بحث للاشتغال على «مفهوم الأيديولوجيا»، وأثناء تلك الفترة استأنست بالأدبيات النظرية الماركسية، ولا سيما بالتقليد الهيغلي الماركسي، وقد أُصبت بالذهول حين أصدر أدورنو (موشورات) «بريسم» 1955. بالتأكيد كنت مطلعاً على «جدلية التنوير» لهوركهايمر وأدورنو، فالعمق المعتم لتلك النظرية لا يتلاءم مع النمط الذي لازم الشابين لمجابهة الوجود، رغبة في صياغة أمثل له. كان لـ«موشورات» تأثير مختلف كلياً عليّ، فقد كان حشداً من الدراسات المهمة لأدورنو خلال الأربعينيات ومطلع الخمسينيات عن أوزوالد شبينغلر وكارل مانهايمر وثورشتاين فيبلن وغيرهم. اليوم من المتعذر فهم مدى تقاطع تلك النصوص اللوامع مع الأجواء المتداخلة والثقيلة لعصر أديناور.

وللإشارة فقد كانت بداية الحرب الباردة في ألمانيا مشوبة بمناهضة الشيوعية، مما فسح المجال لاجتثاث الحقبة النازية الخرقاء، التي كان يلفّها الصمت. وفي ذلك السكون الغامر كانت تدوّي العبارات اللاذعة لعقل نوراني، دون التأثر بروح المناهضة للشيوعية السائد، تُحلّل الأوضاع المعاصرة من منظور ماركسي دبّت فيه المراجعة. انبجس العمق المفاهيمي لنمط في الآن ذاته غامض وساطع، في عتمة الجمهورية الفيدرالية، المسكونة بفكرة «الحداثة المطلقة»، لكن مع كتابات أدورنو ألفيتُ نفسي أمام كاتب يرمّم الفجوة بين حاضر الحرب الباردة والنظريات الاجتماعية الماركسية لسنوات العشرينيات، حيث يستدعي تلك الأنماط بشكل معاصر، من خلال ربطها بالحاضر. تصوروا جان بول سارتر الذي كان فترة ما بعد الحرب يكتسح الساحة بأعماله المسرحية، كفيلسوف، لم يكن سياسياً حينها. وبالنسبة إلينا كطلاب كان «الجنس الآخر» لسيمون دي بوفوار مصدر إلهامنا على المستوى السياسي أكثر من «الوجود والعدم». حين اطلعَ أدورنو، في تلك الفترة، على بعض نصوصي، دعاني عبر الصحفي أدولف فريزي إلى معهد أبحاث العلوم الاجتماعية (Institut für Sozialforschung)، إذ ما كان الأمر في الحسبان، وأعتقد أن الصدفة هي التي جعلتني المساعد الأول لأدورنو سنة 1956. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف