• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

علم البيان «19»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 01 أغسطس 2016

حينما ألَّف الجاحظ كتابه «البيان والتبيين»، بدأه بما يلائم اسم كتابه وموضوع بحثه، فتعوذ بالله في الكتاب من العي والحصر، كما تعوذ من السلاطة والهذر، وهذا يدل على أن معنى «البيان» عنده هو الاقتدار على الكشف عما في النفس من غير فضول أو سلاطة أو هذر، ولعل أهم الأسباب التي دفعت الجاحظ أن يبحث في البيان العربي هو رد عادية الشعوبية الذين لا يرون للعرب فضلاً على غيرهم من الأمم، ولا يقنع الجاحظ أن يدافع عن العرب وبلاغاتهم وبيانهم، وأنه فيهم طبع وسليقة فقط، إنما يسير في الشوط إلى مداه، ويعمد إلى هدم حجج الشعوبية.

وبما أن البيان القولي الذي يبدو في خطب العرب وحكمهم ووصاياهم وأمثالهم، معدود من أهم مظاهر بلاغتهم، فإن الجاحظ يقصر كلامه في هذا المقام على فن الخطابة، ويبرز تفوق العرب وأصالتهم فيه، ويؤكد أن كل شيء لهم إنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام، وليس هناك معاينة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف القائل وهمه إلى الكلام، وإلى العمود الذي إليه يقصد فتأتيه المعاني إرسالاً، وتنثال عليه الألفاظ انثيالاً، ثم لا يقيده على نفسه، ولا يدرسه أحد من ولده، وقد كانوا أميين لا يكتبون، ولكنهم مطبوعون لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر، وله أقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم للكلام أوجد.

ولا يقصر الجاحظ البيان في فن التعبير القولي أو التعبير الكتابي وإنما يدرسه بمعناه الأوسع، معنى الكشف والإظهار والإبانة عما في النفس، ولذلك تراه ينقل عن بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني أن المعاني القائمة في صدور الناس، والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة خواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، ولا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أمور، وعلى ما يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره، وإنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إياها.

وعلى قدر وضوح الدلالة، وصواب الإشارة وحسن الاختصار، ودقة المدخل يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كان أنفع وأنجع، والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان.

وقد أحصى الجاحظ أصناف الدلالات على المعاني، وحصرها في خمسة أشياء:

1) الدلالة اللفظية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا