• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

رؤية .. ورؤيا

سيّدة الكرامات وسِتْر ماركس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يوليو 2016

عبد العزيز جاسم

سيّدة الكرامات

امرأةٌ بلا عُمْرٍ، غير أن الأعمار كلّها تفيض منها. امرأة بلا زمنٍ، غير أن الأزمنة تعبر منها وتؤوب إليها. امرأة سرقت الوقت، بالوقتِ نفسه سرقته، ورمته في بحر أوقاتها المفتوحة على اللانهائي والمطلق. امرأة لا يغزوها الشيب، ولا تشيخ مطلقاً. امرأة ارتوت من ماء الخلود، ولم يعد يؤثر فيها الموت ولا القتلة. امرأة هي الأسطورة ذاتها، شبيهة بربّات الفن، أختهنَّ بالرضاعة حتماً. امرأة لا تجد تغضنات بها، لا تجاعيد، ولا ترهلات أيضاً. امرأة لا تَلِدُ بل تُوَلِّد، وتتصرف كما لو أنها أتت من كوكبٍ آخر.

امرأة لا خدش فيها، لا كدمة، لا جرح، ولا عروقها نافرة: جِلْدها ناعم كالطحينِ، كالحريرِ، أو كملمس الأطفال. امرأة لا اعوجاج فيها، لا عرج، لا حَوَل، ولا لثغة في اللِّسان. امرأة لا تذهب للصالونات، ولا لبيوت الأزياء، ولا تحتاج لعمليات تجميل: لأن الجمال نفسه يتجلّى فيها، يَشرقُ منها، يُقاس بها، يُنحتُ في حضرتها، يولد ويعيش بين يديها، ويتحوّل مِنْ رمادٍ إلى تِبْرٍ بنفخةٍ منها. امرأة منحوتة من الماء، والضوء، والكريستال؛ أما كلمتها فهي النّار التي تراها مشتعلة في قمّة الجبل.

امرأة جسدها فصول أربعة، ورأسها شمس دافئة تعلو فوق كل مُرتَفِع. إذا سمعها الأعمى أبصر، وإذا رآها المُقْعَد انتصب ومشى وركض، وإذا ما مسّتْ الميت بطرف إصبعها فقط، شهق وقام وكَبَّرَ!

امرأة يغار منها الجِنّ والإنْس، وهي لا تغار مِنْ أحدٍ ولا من أي شيء، ولا ترى إلاّ نفسها في مرآة الوجود فقط. امرأة نُقِش اسمها في السّماء، لأن لها أصلاً هناك؛ وها هي على الأرض تدفع بالخلق لأن يكتشفوا أسرارهم المخبوءة فيهم، وأن يستنطقوا الكائنات والأشياء والكون برمته. امرأة بلا وطن، ولا ديانة، ولا مِلَّة، ولا طائفة، ولا قبيلة، ولا عنوان، ولا هوية، ولا جواز سفر، وليس لها مسكن ولا سرير حتّى. امرأة تعيش في الهواء الطلق، في الطبيعة، في الكون المعظّم، وتكون قريبة من كل الأشياء. امرأة هي الديمومة في صفائها: بنت الكون كله، وأم البشرية كلها.

امرأة لا تُدْخِلُ في محرابها مَن لا يقدّرها، ولا يفهمها، ولا يؤمن بها؛ وكم تقرف من الأوباش، والهمج، والرعاع، والزعانف، والأدعياء، والأغبياء، والأنذال، والسقَّاط، والبلهاء، وأصحاب العقول الصمغية والنفوس الخسيسة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف