• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

من دونها لا نجرؤ على التفكير في الأسئلة الكبرى

هل نحتاج إلى الفلسفة؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يوليو 2016

سعيد ناشيد

في سياق العمل على إعادة صياغة بعض الرّؤى المتعلقة بتاريخ الفلسفة قصد المساهمة في إصلاح العقليات وتنظيف الذهنيات، يستبدّ بنا سؤال جذري، لكنه سؤال واضح اللفظ صريح المعنى: هل للتفكير الفلسفي من دور في بناء الحضارة المعاصرة؟.. أم أنّ الحضارة المعاصرة - لكي تكتمل صياغة السؤال - كانت ستأتي بهذا المنوال الذي هي عليه الآن، بالتمام والكمال، وفي مستويات العقل والمؤسسات والسلوك وتنظيم الحياة كافة، من دون حاجة إلى تلك المفاهيم الكبرى التي صاغها ديكارت وسبينوزا وروسو وكانط وهيجل وماركس ونيتشه، إلخ؟ هل كنا سنفكر كما نفكر الآن، نتصرّف كما نتصرّف، بنفس بنية العقل السياسي، ونفس بنية العقل الأخلاقي، ونفس بنية العقل المعرفي، ونفس بنية العقل الجمالي، حتى ولو لم يقل الفلاسفة أي شيء؟

على الأرجح، حتى الذين يعتبرون الفلسفة مجرّد كلام فارغ لن يستطيعوا الإجابة بنعم من دون تلعثم، وإلا فمن أين كانت ستأتينا المفاهيم الأساسية التي بها نفكر الآن؟ إننا لا نفكر بواسطة اللغة فقط، لكننا نفكر بالأحرى بواسطة المفاهيم. لكن، طالما هناك من يصر – لدواع دينية أو تكنوقراطية أو لمجرّد العناد - على أن يكون جوابه بالإيجاب، فما علينا سوى مواصلة السؤال إلى آخر المدى.

لو غاب الفلاسفة عن التاريخ، لو لم يتكلموا، لو لم يكتبوا، لو لم يوجدوا أصلاً، فكيف سيكون حال العقل الإنساني اليوم؟ لو غابت عن تاريخ العقل الإنساني تلك النصوص المؤسسة للتفكير السياسي والأخلاقي والعلمي، والمتعلقة على سبيل المثال بجمهورية أفلاطون، وقواعد ديكارت، وأخلاق سبينوزا، ورسائل فولتير، وثلاثية كانط النقدية، وفينومينولوجية هيجل، ورأس مال ماركس، وجينيالوجيا نيتشه، إلخ، لولا تلك النصوص الكبرى، فكيف سيكون تفكيرنا الآن؟ كيف ستكون علاقتنا بالدين والحلم والأسطورة والخيال والحب والجمال؟ كيف ستكون قدرتنا على التفكير والنّقد والتأمل والتفكيك؟ كيف ستكون مقارباتنا، تمثلاتنا، تصوراتنا، إيديولوجياتنا، بمعنى – وها نحن نقولها - فلسفاتنا؟

طبعاً، لسنا ننكر وجود شعوب لديها حضارات متقدمة في بعض مجالات التنمية أو المعرفة الإنسانية من دون أن يكون لديها ما يماثل الفلسفة. ودعنا من الذين يقولون إننا نحتاج إلى إعادة تعريف الفلسفة حتى ندرك بأنّ جميع الحضارات تقوم على نوع من الفلسفة. الفلسفة ليست الحكمة، ليست الدين، ليست العلم، ليست الفن، ليست الأسطورة، ومن ثمة فإنها لا توجد إلاّ حيثما تتوافر لها شروط دقيقة. إنّها النشاط العقلي الأكثر هشاشة، غير أنّ الهشاشة هي ثمن السمو والرقي كذلك. فعلاً، لسنا ننكر أنّ التفلسف طبيعيّ في الإنسان، وأنّ أسئلة الأطفال تتشابه في كل الثقافات، لكن الاستمرار فيها يستدعي فرصاً لا تتيحها كل البيئات وقد لا تتوافر للجميع. كل الناس يتفلسفون لكن الاستمرار في التفلسف جهد استثنائي نادر يحتاج إلى بيئة حاضنة لا تلزم العقل بتقديس المسلمات.

تاريخ العقل

ثمة فرضية وضعها هيجل ولم نتمكن من دحضها إلى اليوم: تاريخ الفلسفة هو التاريخ نفسه. هذا واضح إذا ما اعتبرنا تاريخ الفلسفة هو تاريخ العقل، لكنه يصبح أكثر وضوحاً حين نعتبر تاريخ الفلسفة هو تاريخ المفاهيم الكبرى التي بواسطتها يستطيع عقل الإنسان أن يفكر في العالم والحياة، في الحضارة والسياسة، في الصيرورة والطبيعة، وأيضاً، في الموت والفناء، إنه تاريخ التصورات الكبرى التي يقارب بها عقل الإنسان مسائل الوجود والزمان والكينونة والمعنى. بهذا المعنى يكون الدفاع عن الفلسفة تعبيراً عن شيء آخر أكثر دقة، هو الدفاع عن العقل الإنساني نفسه. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف