• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

هل ترجّل «مخترع المثقفين العرب» عن قناعاته؟

عبدالله العروي.. ضرورة فكريَّة عالميَّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يوليو 2016

أحمد فرحات - بيروت (الاتحاد الثقافي)

ثمة إجماع عريض بين المفكرين والمثقفين العرب على اختلاف توجّهاتهم الفكرية والأيديولوجية والنقدية والمعرفية، على أن د.عبدالله العروي هو قامة رياديّة كبرى في الفكر العربي الحديث، حتى على مستوى الفكر الإنساني أيضاً. وربما كان الناقد والشاعر اللبناني عصام محفوظ على حق، حين قال لكاتب هذه السطور ذات يوم، بأن العروي «هو مخترع المثقفين العرب، ومبلور دورهم المكوّن للثقافة العربية الحديثة المتأسّسة على العقل النقدي الحديث». وتبعاً لهذا، فهو أحد أكبر المؤثرين في توجّهات الكثير من الشرائح الفكرية والثقافية التي عاصرته، وتلك التي تلت مرحلته العمرية، وصولاً إلى اليوم، حيث كان، ولا يزال همّه، رسم وترجمة كل قيمة هويّاتية حضارية لبلده المغرب بخاصة، ودنياه العربية بعامة. يصرّ العروي على ممارسة عزلة مقصودة عن الإعلام، فهو لا يظهر على واحدة من وسائله، إلاّ لضرورات قصوى يُحدّدها هو، بخاصة كما ظهر قبل سنوات (2013) على القناة المغربية الثانية منافحاً عن العربية الفصحى، لغة الأمة والتاريخ والمستقبل ضد دعاة العامية أو الدارجة المغربية، الذين ما انفكّوا يشوشون عليها، وهو هذه المرة، نور الدين عيوش، صاحب وكالات الإشهار المعروفة في المغرب. والعروي الذي وُلد في مدينة أزمور المغربية سنة 1933، صاحب المؤلفات التي تتجاوز الثلاثين في التاريخ والنقد الأيديولوجي، والفلسفة، والبيداغوجيا، وتاريخ الأفكار، والنظم المعرفية والسياسية، فضلاً عن الرواية والمسرح وأدب الخاطرة اليومية... إلخ. اهتم لدى معالجته قضايا الفكر العربي ومعضلاته بمسألة المنهج والتأويل، بتوظيف علوم مختلفة كاللسانيات والأنثروبولوجيا وتحليل الخطاب والتفتيش عن المعاني التي اكتسبها عبر التاريخ بتعدّد المتلقّين وفلسفاتهم وتراكم معارفهم؛ أي أن توجّهه كان توجّهاً معرفياً (إبستمولوجياً) وليس توجّهاً وجودياً (أنطولوجياً).

والمنهج المعرفي عنده يرتكز إلى جانبين: الأول، وهو الجانب التاريخي (أو التاريخاني) العام. والجانب الثاني، وهو جانب تأسيسي؛ فالفكر العقلي يتأسّس على مفاهيم محدّدة واضحة، يمكن البناء عليها لإنشاء باقي البناء العقلي.. وهو بالمناسبة موقف يعود إلى ديكارت الذي يُذكر عادة بأنه أول التأسيسيين.

يعتبر كتاب عبدالله العروي: «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» (أصدره بالفرنسية في العام 1967 عن دار ماسبيرو- باريس، ونقله إلى العربية في العام 1970 الروائي والناقد اللبناني محمد عيتاني... والناشر دار الحقيقة- بيروت) البوّابة التي أطلقت مشروعه الفكري التفاعلي على مستوى عربي، خصوصاً لجهة نقده الجذري للفكر السكوني، أو الفكر المراوح السائد، واقتراح فكر عقلاني بديل، يسهم في بلورة الشروط العلمية المطلوبة لقيام نهضة عربية حقيقية وجادّة في توجّهاتها. ولا يزال هذا الكتاب مغروزاً في وعي كل من قرأه من المثقفين العرب الثقات، منذ بداية السبعينيات من القرن الآفل حتى اليوم.

قدّم للكتاب المستشرق الفرنسي المعروف مكسيم رودنسون، مادحاً الكتاب وأسئلته الجديدة المغايرة. وقد قسّم العروي كتابه إلى أربعة فصول هي: العرب والأصالة- العرب والاستمرار التاريخي- العرب والعقل الكوني- العرب والتعبير عن الذات.

ويمكن في الإجمال تجزئة أعمال العروي كلّها إلى أربعة محاور، وكل محور مرتبط بأحد هذه الفصول الموجودة في كتابه المذكور: الأيديولوجيا، والبحث التاريخي، والتأصيل، والتعبير.

بخصوص التراث والتعامل معه، فُهمت دعوة د. العروي في كتابه «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» خطأً، فهو لم يدعُ البتة إلى موقف عدمي من التراث، وإنما دعا إلى التفكّر العقلاني به، وأخذ الدروس والعبر من النقاط المضيئة فيه. هو لا يريد من التراث إلاّ أن يكون منطلقاً نحو التنوير، وجسراً نحو منطق معرفي عربي جديد، تماماً كما حصل لغيرنا، خصوصاً في الغرب، حيث، مثلاً، تمّ إدراك أهمية الفلسفة والفيزياء مع ديكارت، والقانون مع مونتسكيو، والسياسة مع روسو، والأخلاق مع هيوم، والاقتصاد مع آدم سميث. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف