• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

تشديد التدقيق على التحويلات والمعاملات النيجيرية في الحسابات الأميركية، من شأنه أن يساعد كثيراً على الحد من انتشار ممارسات الفساد بين المسؤولين النيجيريين

نيجيريا وتحدي الفساد المزمن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 27 يوليو 2016

ماثيو بيج*

في نيجيريا تتسرب مليارات الدولارات سنوياً بشكل غير قانوني من الخزينة العامة، إلى أيدي بعض الأفراد. والفساد يقوّض جهود النظام في مواجهة جماعة «بوكو حرام»، الجماعة الإرهابية الدموية التي أدت عملياتها البشعة، إلى نزوح ما يقرب من مليوني شخص في المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد، التي مزقتها الحرب.

وفي تقرير جديد لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، عنوانه «تحسين سياسة الولايات المتحدة الخاصة بمكافحة الفساد في نيجيريا»، كان رأيي أن أميركا يمكن أن تردع الفساد في تلك الدولة التي تعد هي أكبر اقتصاد في أفريقيا، وأكثرها سكاناً.

وفي أعقاب انتخاب الرئيس محمد بخاري رئيساً في عام 2015 رأى صناع سياسة أميركيون كبار فرصة لدعم جهوده الجريئة الرامية لمكافحة الفساد. ولكن هذه الجهود تبلورت في معظمها في مجرد برامج مساعدة متواضعة لمحققي الشرطة، والهيئات الرقابية التابعة للمجتمع المدني. وهنا تكمن المشكلة من منظور السياسة: فالفساد يعامل كموضوع ثانوي، قائم بذاته، في حين أنه يمثل في حقيقة الأمر، تهديداً كبيراً لجهود الولايات المتحدة الرامية لدعم التنمية، وحل المشكلات الأمنية، وتحسين الحوكمة في نيجيريا.

فالفساد يهدد الديمقراطية والحكم الرشيد في نيجيريا. وفي كتابه المعنون«هذا الظلام الحالي: تاريخ الجريمة المنظمة في نيجيريا» استشهد «ستيفن إليس» بما قاله السياسي النيجيري «أبوبكر تافاوا بيلاوا» في عام 1950 عندما شجب ما وصفه بـ«اللعنة المزدوجة المتمثلة في الرشوة والفساد التي تتخلل كل مستوى وكل إدارة من إدارات الحكومة في نيجيريا».

ازدهر الفساد في عهد الحكومات العسكرية والمدنية على حد سواء، وشمل قادة من كل الخلفيات العرقية والدينية، ولكن الفساد الرسمي، ارتفع إلى ذرى جديدة في عهد الرئيس السابق جوناثان جودلاك. وكان الفساد في قطاعات الأمن، والنفط، والطاقة على وجه الخصوص، مربحاً للغاية، فمستشار الرئيس جودلاك لشؤون الأمن القومي، على سبيل المثال يحاكم في الوقت الراهن بتهمة التلاعب في ما يقرب من ملياري دولار هي مخصصات أمنية، في الوقت الذي كانت فيه قوات الأمن المسلحة تسليحاً فقيراً تخوض حرباً شرسة ضد حركة «بوكو حرام».

وعلى رغم أن الحكومة قد أنفقت 14 مليار دولار منذ 1999 لتطوير قطاع طاقة حديث لخدمة سكان نيجيريا، البالغ عددهم 183 مليون نسمة، إلا أن نمو قطاع إمداد الطاقة الوطنية كان محدوداً ومتقطعاً، حيث لا تستطيع نيجيريا حالياً سوى توليد كمية من الطاقة تكفي بالكاد لتلبية احتياجات عدد من السكان لا يزيد على نصف مليون شخص فقط. وإذا أخذنا نطاق ومستوى الفساد في نيجيريا، والتهديد الذي يشكله على مجالات معينة، تخصص لها واشنطن وقتاً وموارد كبيرة -الأمن والتنمية والحوكمة- فإن السياسات الأكثر قوة المناوئة للفساد، يمكن أن تكون من ضمن «مضاعفات القوة» حيث تؤدي مثلاً لمضاعفة فوائد المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لنيجيريا. وفي رأيي أن هناك ثلاثة تصرفات سياسية مجدية يمكن أن تحقق هذا الهدف، يمكن إجمالها كالتالي: تأسيس مجموعة عمل مشتركة بين الأجهزة الحكومية يكون اختصاصها مكافحة الفساد الحكومي في نيجيريا، وتعيين محقق تابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي «إف. بي.آي» في العاصمة أبوجا، ونشر أمر إداري يحد من الصفقات المالية بواسطة المسؤولين النيجيريين الفاسدين وتجميد، أو مصادرة، موجوداتهم.

هذه الإجراءات يمكن أن تقلص إلى حد كبير التحويلات المالية غير المشروعة للخارج من نيجيريا، والتي قدرت بـ178 مليار دولار خلال الفترة من 2004 إلى 2013 وفقاً لمنظمة النزاهة المالية العالمية، وبدون وجود محقق مختص تابع لـ«إف. بي.آي» يكون مقره السفارة الأميركية على سبيل المثال، فإن تعميق التعاون الثنائي بين الدولتين في مجال مكافحة الفساد، سيكون أمراً صعباً للغاية. ولكن تشديد التدقيق على التحويلات والمعاملات النيجيرية في الحسابات الأميركية، سيساعد، من دون شك، على الحد من انتشار ممارسات الفساد بين المسؤولين النيجيريين.

*زميل مجلس العلاقات الخارجية الأميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا