• الاثنين 03 صفر 1439هـ - 23 أكتوبر 2017م
  03:37     أبوظبي للإسكان إعفاء 28 مواطنا من سداد القرض بقيمة نحو 31 مليون درهم بسبب الوفاة    

تأملات

مائدة الفطور وسعة الصدور

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 يونيو 2017

د. عماد الدين حسين

ما إن يلمع الهلال في عتمة السماء مبشّراً بإقبال الشهر الكريم، حتى تستنير بنوره وتبتهج بقدومه وتحتويك نفحاته وتناديك نسائم رحماته، وتلهج بالحمد أن قد بلّغك؛ وتدرك يقيناً ما يغمرك من خير وما تلوح أمامك من فُرص، وكأنّك غادرت للتوّ عالمك المعتاد وعانقت عنان السماء روحاً وقلباً وتضرّعاً وتقرّباً.

أيام معدودات، مصحوبة بأجواء الوصال، تتوالى عليك فيها دعوات كريمة من رفقاء الدرب وسفراء الإحسان، لتجد نفسك محاطاً بالوفادة وحسن الترحاب، قبل أذان المغرب يلهج اللسان بالدعاء ليَغنم بالنصيب الوفير من خير الأوقات، مستحضراً عظمة الخالق أن منحك عاماً آخر وصفحة جديدة في كتاب العمر القصير، لتكون في قلب ثلاثية الرحمة والمغفرة والعتق من النار؛ وتسجد لله حامداً ممتنّاً لأنفاسك التي تتردد في خضمّ روحانيات تحلّق بك عالياً بعيداً عن بشريّتك المتخمة بالكثير مما لا تبوح به النفس.

لم تفصلني عن مائدة المحبة والإخاء والإيثار سوى أيام مضت، صافحتني حينها قلوبهم قبل أياديهم وتبارت في إكرامي، وخصّني كل من حولي بكلّ ما تصل إليه يداه كي ينال عظيم الأجر ولسان حالهم: نحمد الله أنك بين أكنافنا نتراحم فيما بيننا، نتشارك الدعاء والرجاء، من يدري هل سيتجدد جمعنا في رمضان المقبل؟ أم أن بعضنا ستُغيبه المنيّة؟

وما إن تنتهي من صلاة التراويح وتعود أدراجك؛ حتى تبدأ المرحلة الثانية من مراسم الاحتفاء بك، وتمتدّ المائدة بمداد نقاء القلوب وعطاء أهل الجود والكرم، ودفء إخوة لم تلدهم أمك. تكاد تدمع عيناك لأن الأخيار هم وحدهم من تصل كلماتهم إلى عمق القلوب وإن صمتوا في حضورك، أو غادرتك الكلمات في حضورهم؛ هنا تستشعر مداد السماء وقصر الرحلة، وشوق النفس إلى واحات الاكتفاء بما منحك الله من السير في زمرة الشاكرين الحامدين القاصدين العابرين.

حقّاً؛ ليست المائدة الرمضانية بما عليها من صنوف الطعام والشراب، ولكنّها بسعة الصدور ونبض القلوب واحتواء الإنسان لأخيه الإنسان قبل أن ترحل الأبدان ولا تبقى سوى الأعمال.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا