• السبت غرة صفر 1439هـ - 21 أكتوبر 2017م

نجحت في المهمة الخطرة

أخت موسى.. نموذج للذكاء والتضحية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 يونيو 2017

محمد أحمد (القاهرة)

أخت موسى، إحدى ثلاث نساء صالحات في حياة النبي موسى عليه السلام، هنًّ أمه وزوجته، قدمها القرآن لتكون نموذجاً للمرأة كأخت، فكما أن للمرأة مشاعرها الخاصة عندما تكون أمّا، فإن لها أيضاً عواطفها ومشاعرها حينما تكون أختاً، ذكر القرطبي أن أخت موسى هي، مريم بنت عمران، وهي ليست أم عيسى عليه السلام، وذكر الماوردي عن الضحاك، أن اسمها كلثمة، وقال السهيلي، كلثوم.

كانت فتاة ذكية لماحة فصيحة، وأخت ناصحة مشفقة، مطيعة لأمها بارة بأخيها، قادرة على إخفاء عواطفها ومشاعرها إذا استدعى الموقف، وبذلك تمكنت من إعادة أخيها من دون أن يشعر أحد بالرابطة بينها وبين هذا الرضيع.

ذكرها الله عز وجل في القرآن مرتين، الأولى في سورة طه: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)، «الآية 40»، والثانية في سورة القصص: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)، «الآيتان 11-12».

يتجلى دور الأخت مع أخيها، حباً، وخوفاً عليه وشفقة، وتعرضاً للمخاطر وتضحية من أجله، فالتعبير بكلمة «أخته» دون «ابنتها» فيه تصريح بمشاعر وعواطف الأخوة التي تملأها، مما كان له أثره في امتثالها لما أمرتها به أمها. يقول الإمام الشعراوي: قُصِّيه: يعني تتبعي أثره، وراقبي سيره إلى إين ذهب؟ وماذا فُعِل به؟ وحين سمعت الأخت هذا الأمر سارعت إلى التنفيذ، ومعنى: «عَن جُنُبٍ»، من ناحية بحيث لا يراها أحد، ولا يشعر بتتبعها له، واهتمامها به، ونلحظ أن أخت موسى أخذتْ الأمر من أمها «قُصِّيهِ» فقط، ولم تلفت نظرها إلى هذا الاحتياط «عَن جُنُبٍ» مما يدلُّ على ذكاء الفتاة وقيامها بمهمتها على أكمل وجه، وإن لم تُكلَّف بذلك.

بعد أن امتنع أخوها عن التقام أي ثدي غير ثدي أمه، وبعد أن شاع في الناس طلب المراضع له، حتى عُرض على عدد كثير من المرضعات في مدة قصيرة، قدرت أخت موسى أن هذا هو الوقت المناسب لتعرض عليهم خدمتها دون أن يشك في أمرها أحد، وجاء عرضها في أسلوب يكشف عن ذكائها وفصاحتها: «فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ»، اختارت ألفاظها بدقة وعناية، بحيث تتناسب مع الموقف، فقولها: «أهل بيت»، كلمة «أهل» توحي بالألفة، والعناية، والرعاية، وهذا ما يطلبه آل فرعون ممن تقوم على إرضاعه، وقولها: «بيت» دون تحديد لهذا البيت وأهله، لحرصها الشديد على أن لا ينكشف أمرها ولا تثير حولها الشبهات.

وتعبيرها عن تعهد أهل هذا البيت لهذا الولد، وحفظه، وإرضاعه، «يكفلونه لكم»، أفاد أن إرضاعهم ليس وسيلة استرزاق لهم، وأنهم إن قبلوه فغرضهم إرضاء آل فرعون، فكان أثر ذلك طيبا على آل فرعون، وتعبيرها عن عدم تقصيرهم في تربيته «وهم له ناصحون»، قصدت التأكيد على أن النصح، من صفاتهم، فهو حاصل له كما يحصل لأمثاله حسب سجيتهم.

وكان من نتيجة هذا الذكاء، والحرص الشديد من الفتاة على ألا يكشف أمرها آل فرعون وهي تتابع حركات أخيها وحسن تدبيرها باختيارها الوقت المناسب للتدخل عند آل فرعون، وبلاغتها في دقة اختيارها لألفاظها وهي تعرض خدمتها عليهم، أن نفذت إرادة الله، وعاد موسى إلى أمه كي تقر به عينها ولا تحزن.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا