• الخميس 25 ذي القعدة 1438هـ - 17 أغسطس 2017م

جادلت النبي فأنزل الله تشريعاً

خولة بنت ثعلبة.. مثال للفصاحة وقوة الشخصية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 07 يونيو 2017

محمد أحمد (القاهرة)

خولة بنت ثعلبة الأنصارية، امرأة أوس بن الصامت، صحابية جليلة من ربات الفصاحة والبلاغة، سمعها الله من فوق سبع سماوات، وهي تستفتي وتجادل، فكان ذلك سببا في نزول تشريع عظيم يشملها ويشمل المسلمين إلى يوم القيامة، وردت قصتها في صدر سورة المجادلة، لتوضح حكم الله في قضيتها.

قصتها دليل وبرهان عملي على رفعة مكانة المرأة في القرآن، فقد كان لها شخصيتها ورأيها ومطالبتها بحقها الشرعي بنفسها من دون مواربة أو تحرج من ولي أو نبي وكان تصرفها غاية في الأدب والحياء.

فقد حدث خلاف شديد بينها وبين زوجها، انفعل فيه الزوج، وقال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، وهو القسم الذي يعني تحريمها عليه فلا يقترب منها كزوجة‪،‬ وبعدها أراد أن يعاشرها فرفضت بكل قوة أن تتغاضى عن اليمين الذي تلفظ به، وأسرعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي تستفسر منه عن نتائج ذلك القسم ورغم محبتها وخوفها على بيتها إلا أنها أيضاً شكت للنبي من سوء معاملة زوجها.

حكت خولة للرسول قصتها، قالت: فدخل عليَّ يوماً، فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ فإذا هو يريدني عن نفسي، قلت كلا والذي نفس خولة بيده، لا تخلص إليَّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثياباً، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه.

قالت: فجعل رسول الله يقول: «يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه»، قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيَّ قرآن، فتغشى رسول الله ما كان يتغشاه ثم سرى عنه، فقال لي: «يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآناً، ثم قرأ عليَّ: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، «سورة المجادلة: الآية 1 - 4».

كانت رجاحة عقل خولة وقوة رأيها والحرص على مستقبل الأسرة يحكمان تصرفها، فجادلت النبي، ثم صممت على الحل الذي يتوافق مع حال أسرتها، فعندما قال النبي: «مريه فليعتق رقبة»، قالت: يا رسول الله، ما عنده ما يعتق، قال: «فليصم شهرين متتابعين»، فقالت: والله إنه لشيخ كبير، ما به من صيام، قال: «فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر»، فقالت: والله يا رسول الله، ما ذاك عنده، فقال رسول الله: «فإنا سنعينه بعرق من تمر»، فقالت يا رسول الله، وأنا سأعينه بعرق آخر، قال: «قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً»، ففعلت. حصلت خولة بحكمتها على أفضل الحلول لقضيتها فحتى عندما نزل الوحي بالحل، فقد حاورت النبي وظهرت بلاغتها وفصاحة لسانها عندما ظنت أنها ستفترق عن زوجها وتهدم أسرتها، ثم أنها كانت رفيقة بزوجها وهي في قمة غضبها من تصرفاته، فقررت أن تساعده في كفارته لتنقذ البيت الذي رفضت أن ينهار وينتهي بسبب قسمٍ في لحظة غضب.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا