• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

كلّ المدن العربية صارت تشبهها.. وكلّ أرواح المسلمين صارت إلى مكعّبات

«غيرنيكا» وعودة الفاشية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 أبريل 2015

حين تزدهر فلاحة الخراب في عصر ما، لم تعد الكلمات وحدها تفي بحاجتنا لكتابة صمت مشاعرنا المثقلة بغموض المرحلة وتبعثر حدودها وهشاشة خرائطها وسياساتها. إنّ الفرشاة وقلم الرصاص والقماشة البيضاء تمثّل ورشة مغايرة لالتقاط ما يحدث ولكتابة قصّتنا على نحو مغاير. ثمّة دوما لون مناسب لاختراع المشهد وثمّة أيضا العين المناسبة لالتقاطه في أشدّ لحظاته كثافة وصدقا. لكن قد يكون المشهد صغيرا بحجمه مثل تفّاحة سيزان وبطاطا فان غوغ وخبز سلفادور دالي، وقد يكون المشهد أمرا جللا مثل لوحة إعدام ماكسي مليان لماني أو لوحة غيرنيكا لبيكاسو.

يقول بيكاسو في بعض ما يقول: “إنّ الرسم أقوى منّي، إنّه يحملني على أن أفعل ما أريد». ماذا إذن أرادت لوحة غيرنيكا من بيكاسو أن يفعل؟ هل أرادت منه أن يقصّ علينا قصّة غيرنيكا بكل عمق الكارثة التي دمّرتها؟ أم أرادته أن يشهد فقط بالرسم على ماحدث؟ أم أرادت منه أن يلتقط مشاعر الضحايا العالقة بعدُ على حافة الخراب؟

هذه اللوحة تحمل في تعاريج هندستها الغامضة نهارا أنطولوجيا ثقيلا: هو نهار طويل وقع قصفه واغتيال سكّانه الأصليين غدرا حينما كانوا في الطريق إلى السوق. ذاك كان ذات يوم من أبريل من عام 1937 حيث دمّرت قاذفات القنابل الألمانية الموالية لفرانكو مدينة غيرنيكا وهي أعرق مدن الباسك ورمز تراثها الثقافي. وما أشبه الأمس باليوم... في ذاك اليوم كتبت جريدة «التايمز» التي قرأها بيكاسو ما يلي: «دمّرت بعد ظهر أمس بلدة غيرنيكا القديمة عن بكرة أبيها بفعل غارات جويّة كاسحة. واستغرق قصف المدينة المكشوفة ثلاث ساعات وربع ساعة بالضبط، كان في أثنائها أسطول ضخم من الطائرات الألمانية من طراز «يونكر» والقاذفات المقاتلة من طراز «هينكل» يلقي على المدينة بصورة متواصلة قنابل من زنة ألف رطل... وكانت المقاتلات في هذه الأثناء تحلّق على ارتفاع منخفض من مركز المدينة لتطلق النار على المدنيين الذين التجأوا إلى الحقول. وبعد ذلك تحوّلت غيرنيكا برمّتها إلى شعلة من النيران».

قد يحدث أن يقرأ أيّ كان هذا الخبر وأن يتأثّر بأيّ شكل به. فتاريخ الفظاعات الإنسانية طويل ومتنوّع ومتوقّع دوما. لكنّ تحويل هذا الخبر إلى أثر فنّي كبير ذاك ما فعله بيكاسو فقط الذي حوّل خبرا ملقى على قارعة جريدة تصلح لإشباع غريزة التطفّل لدى المتطفّلين إلى لوحة تشكيلية التقطت أنفاس ضحايا غيرنيكا وأعادت إلى المدينة أشباحها في شكل أبطال تشكيليين.

لقد كتب ستاندال ذات يوم أنّ «الفنّ وعد بالسعادة». وهي كلمة فاتنة سيلتقطها نيتشه بكل مرح أحفاد زرادشت، وسوف يستعيدها ثيودور أدرنو صاحب كتاب «النظرية الجمالية» (1970). لكنّ دريدا سيقول بعد سيزان إنّ «الفنّ وعد بالحقيقة». فبأيّ وعد يعدنا بيكاسو حينما رسم لوحة غيرنيكا: بسعادة ستندال أم بحقيقة دريدا؟ ربّ حقيقة قاتلة: هكذا حال الحقائق عند نيتشه. هكذا حال المدن العربية: إنّها تتأرجح بين حلم السعادة وكوابيس الحقيقة. كم صارت غيرنيكا مرآة للجغرافيا الحالية. هل يعود التاريخ في شكل مهزلة كما توقّع ماركس دائما؟ أم أنّ الحياة لا تستعيد في دورتها الأبدية غير أشدّ لحظاتها اقتدارا وبهجة كما يعدنا بذلك نيتشه دوما؟ إنّ بيكاسو يختطف لحظة هاربة من مدينة غيرنيكا فيخبّئها في أحضان فنّ الرسم حيث لا يمكن للدمار أن يلحقها. إنّها تتحصّن بهندسة المكعبات وغموضها إنّنا نشهد هنا كيف يحرر بيكاسو غيرنيكا من صخب القنابل من أجل وعدها بسعادة الخلود في صمت اللوحة.

لقد صارت غيرنيكا اللوحة أشهر من غيرنيكا المدينة. وصار الوعد بالسعادة أكبر من كل حقائق التاريخ الذي يتحوّل أحيانا إلى مقتلة. وهكذا ينتصر الفنّ مع بيكاسو حينما تنهزم الجغرافيا. ولقد صارت بذلك غيرنيكا إلى أشهر لوحة عالمية في القرن العشرين. إنّها أرموزة تاريخية يكون فيها الفنّ ذاكرة للآلام المخزّنة في عمق شعب ما. بيكاسو يقول: «إنّ اللوحة هي جملة من التدميرات». ويقول أيضا: «لم يُخلق الفنّ من أجل تزيين العمارات بل إنّ الفنّ سلاح هجومي ودفاعي معا». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف