• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

هل يمكن تجاوز السلفية في المدى المنظور؟

بين «سجن» عمارة و«مفتاح» أركون

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 أبريل 2015

هذا الاستلاب في الماضي «المؤسطر» هو أول سمة من سمات العقلية السلفية. وبالتالي فالتقدم بالنسبة لها يعني العودة إلى الوراء لا السير إلى الأمام. وهي تحتقر الفلسفة العقلانية أيا تكن حتى ولو كانت بحجم فلسفة ديكارت وكانط وهيغل، ناهيك عن أرسطو وأفلاطون.. فهي بالنسبة لها ليست إلا لغو الكلام ولا تساوي قشرة بصلة. لماذا؟ لأنها فكر بشري زائل أما هي فتتوهم بأنها تمتلك الفكر الإلهي الذي لا يحول ولا يزول. وقل الأمر ذاته عن فلسفة الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن باجة وابن الطفيل.. كلها مرمية في سلة المهملات أو محرمة من قبل الفقهاء القدامى والمعاصرين. وأما مفاهيم من نوعية حقوق الإنسان وحرية الضمير والمعتقد وتحرر المرأة وفلسفة الأنوار فتعتبر بمثابة الشر المحض. كل ما استجد في التاريخ البشري على مدار العصور الحديثة ملغى وباطل. كل الحضارة خارج قوس. كلها رجس من عمل الشيطان. هذا هو معنى العقلية السلفية. هذا هو معنى «الجهل المقدس» الذي لا يزال يتحكم بالتربية والتعليم والثقافة في العالم الإسلامي حتى اللحظة وبخاصة في المجتمعات المحافظة جدا. نحن نتاج هذا الفكر السلفي الذي يتفجر حاليا بالقنابل والحمم والشظايا. ثم أن نظرتها للأديان الأخرى خاطئة تماما. لماذا؟ لأنها ليست قائمة على معرفة حقيقية بها وإنما على رفض مسبق وعلى يقينيات دوغمائية متحجرة لا تقبل النقاش.

مصارعة التنين

السلفية لا تعترف بتاريخ الأديان المقارنة ولا يخطر على بالها على الإطلاق. وأصلا هو ممنوع منعا باتا في معظم الجامعات العربية والإسلامية. لكن متى تشكلت السلفية؟ قبل ألف سنة أو ألف ومائة سنة ونيف. فأكبر سلفي في تاريخنا هو الإمام أحمد ابن حنبل (855م) الذي كان على عظمته وإيمانه متشددا في الدين. وكان رافضا لتحكيم الرأي والعقل في الشؤون العقائدية على عكس الإمام أبي حنيفة. وقد دخل في معركة هائلة مع المعتزلة والمأمون وخرج منها منتصرا بعد أن انحاز له المتوكل الكاره للاعتزال والفلسفة. بدءا من تلك اللحظة انتصر النقل على العقل في تاريخنا. وبالتالي فهزيمة العقل في العالم الإسلامي قديمة جدا وليست حديثة العهد على عكس ما نتوهم. إنها تعود إلى انقلاب المتوكل على المأمون. ونحن ندفع فاتورة ذلك الانقلاب الارتجاعي أو الرجعي حتى اللحظة. ولذا يصعب علينا جدا إعادة الاعتبار إلى العقل والفلسفة في العالم العربي حاليا. فنحن نناضل ضد ألف سنة من الجمود والخروج من التاريخ لا ضد سنة أو سنتين. نحن نصارع التنين!

ثم تواصلت السلفية كخيط طويل، طويل، لا ينقطع على مدار العصور الانحطاطية بدءا من لحظة ابن تيمية في القرن الرابع عشر وحتى لحظة الإخوان المسلمين في القرن العشرين مرورا بلحظة محمد بن عبدالوهاب في القرن الثامن عشر وآخرين عديدين. وتوجت أخيرا بكل الرموز السلفية والإخوانية التي احتلت الساحة وأصبحت نجوما تلفزيونية..

اللحية والكرافات

قد يقول قائل: ولكن هناك فرق بين التيار السلفي/ والتيار الإخواني. والجواب هو أنه فرق في الشكل لا في الجوهر. فالسلفيون يلبسون القميص ويرخون لحاهم الطويلة في حين أن الإخوان يلبسون الطقم الحديث الأنيق بثلاث قطع مع الكرافات ويشذبون لحاهم أكثر ويهندسونها بشكل أفضل. هذا هو الفرق. إنه شكلاني محض. ربما كان الإخوان مسيسين أكثر ولكن السلفيين أصبحوا أيضا مسيسين مؤخرا. فهناك أحزاب سلفية مثلما أن هناك أحزابا إخوانية تخوض الانتخابات. ولكنهم جميعا متفقون على رفض حاكمية العقل معطين الأولوية لحاكمية النقل. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف