• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

خبز وورد

خلطتنا إياها

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 16 يوليو 2016

مريم جمعة فرج Maryam.Juma@alIttihad.ae

من القراءات الممتعة ما يكتبه كبار المؤلفين الغربيين من تيار ما بعد الحداثة. كتابات تشبه إلى حد بعيد الخلطة، حيث المزج بين أفكار قديمة وحديثة تستوقف القارئ، ومنها أفكار وفلسفات أشبعت بحثاً، لا على أيدي الفلاسفة فقط ولكن على يد كل من تفزعه أمور كفكرة الحياة والموت. كما أن أفكاراً أخرى تعودناها كفكرة نهاية النفس، الجسد، والقيامة، وما يشبه أفلام الرعب، وما قبل وما بعد، والأسطورة والميثولوجيا والحقيقة، تبدو كما لو أنها لا تزال خلطاتنا إياها ذات الدلالات الثقافية الاجتماعية السياسية التي تنعش اليوم إبداع ما بعد الحداثة.

والواقع أن كاتباً كبيراً مثل الأميركي «دون دليلو» قد انغمس في كتاباته في هذه التفاصيل من جلجامش إلى سارتر إلى ما بعد الحداثة، ضمن مشروعه الثقافي منذ بداياته في ثمانينيات القرن الماضي، رغم أنه ليس ممن قد يتصور القارئ أن فكرة نهاية الوجود تؤرقه، كما هو الحال في الفلسفة الصوفية الراغبة في الوصول إلى شيء من المعرفة المجردة بفناء النفس، أو بعض الفلسفات القديمة والحديثة شرقاً وغرباً، لكنه يهتم بالتعليق على الفكرة كحالة في حلقة تطور حياتنا البشرية. آخر أعمال دليلو هذا العام رواية «صفر كي» تعليق ساخر يلقي بظلال من التشاؤم على حالة مجتمع ما بعد الحداثة الأميركية. وهي تتناول فكرة النهاية المشار إليها في افتتاحية كتب فيها يقول: «الكل يريد امتلاك نهاية الكون»، وفيها تركيز على فكرة الحياة حين تقترن بفكرة الموت، وفي هذا السياق يروي قصة استثمار الموت بسرية في مكان يطلق عليه نقطة التجمع الذي يديره رأسماليون كبار وعملاء سريون، ويحتوي على جثث تم تجميدها تكنولوجياً انتظاراً لفكرة البعث.

وعلى الرغم من أن المؤلف ليس المتحدث الرسمي باسم العبثية فإن ما يأتي على لسان الراوي يقوده إلى أن يكون كذلك. كما أن لعبة أدب ما بعد الحداثة لديه تهتم بكثافة بمناقشة قلق المجتمعات البشرية وشكوكها تجاه تفوقها التكنولوجي، وهي تأملات كما يقال تنطوي على نوع من المواساة. دليلو في جزء من كتاباته ساخر، كما تحتوي أعماله على تأملات وأسئلة كثيرة يثيرها ويشاركه فيها قارئه، ولا شك أن القارئ يستمتع بما يقول كسؤاله عن مدى الإيمان بما يمكن أن تحققه التكنولوجيا في حياتنا، لا سيما الإجابة على سؤال الحياة والموت، وما إن كان المستقبل يحمل شيئاً من الحقيقة بشأن مسألة الخلود، لكن كلها موضوعات تستثمر فكرة الموت لتجعلنا ننسجم كما يبدو مع أشياء مفزعة لا يمكننا قط تجاهلها.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا