• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

أعشق ما يحركني

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 12 أبريل 2014

مريم جمعة فرج

من الطقوس الجميلة شبه المتعارف عليها بين المبدعين، أن يلتقي اثنان أو أكثر، فيشعر الواحد منهم أنه وجد ضالته، وعلى الرغم من أنها لقاءات عابرة في العادة بسبب مشاغل الحياة اليومية، إلا أنهم ما أن يتبادلوا التحية والسؤال عن الأحوال، حتى يبادرأحدهم بهذا السؤال: «شو قراءاتك هذه الأيام؟» فيجيب الآخر: أقرأ والله، لكن تعرف!. لكن أجد نفسي هذه الأيام منجذباً إلى الفلسفة (أو التاريخ أو الرومانسية)، يبحث في هذه المعارف وأشياء كثيرة يقرأها الجميع، وأحيانا تكون خارج نطاق إبداعه، أوتكون رديفاً لها، المهم أنها إشارة إلى أنه ليس من الضروري أن ينكب كاتب الرواية على قراءة الرواية، أو ينكب الفنان التشكيلي على قراءة كتب الفن التشكيلي، أو الشاعر على قراءة الشعر دون غيره، وهكذا.

لكن على الرغم من ذلك، يفاجئك من يرى أنه من الأفضل للإنسان أن يقرأ في مجال عمله، أي أن يركز مثلاً الفنان جهده في قراءة كتب الفن، والروائي في قراءة الرواية و..و.. وكأنها من نوع الكتب التي يسمونها «دليلك» إلى كتابة القصة، أو الشعر، أو الفن، أو المسرحية إلى آخره. وفوق كل هذا، قد يفاجئك مرة آخر متعصب لمجاله الإبداعي ليؤكد لك أن «هذا الزمن هو زمن الرواية أو القصة القصيرة أو الشعر». لكن على الرغم من حماسه، وربما حماسك الشديد لسماع مثل هذه الأخبار، تضطر لسؤاله: على أي أساس أصبح الزمن هكذا؟

تسمع إجابات كثيرة ومختلفة، وقد تقتنع وقد لا تقتنع، لكن هذه واحدة من الطقوس الجميلة التي تدخل في باب الدردشة المغذية فكرياً، التي تفتح الشهية للجدل، وكما نعرف عنها، فإن هناك نوعاً من المنافسة الرياضية بين الأشكال الإبداعية، وهي منافسة يتحمس لها المبدعون في كل مكان وزمان، فهناك من يرى الرواية مثلاً كصاحبة فضل على القصة القصيرة، وهي دون سواها بصيغتها المعروفة قادرة على التعبير عن روح أي عصر بتفاصيلها الدقيقة المسهبة، في حين أن القصة القصيرة تبرأ من تهمة أن الرواية صاحبة الفضل عليها، ويرى الكثيرون، خاصة النقاد الغربيين المعاصرين، أنه لا أساس من الحقيقة لهذه التهمة، فالقصة القصيرة نوع أدبي مستقل ظهر لاحتواء روح العصر، في مرحلة شاخت فيها الرواية، ولم تعد تمثل التعبير الدقيق عن إيقاع الحياة المتسارع في عصر الثورة الصناعية. وبدورهم يأتي المتحمسون للشعر الحداثي ليقنعوا القارئ، بأن الحداثي يمحو رونق ما قبله من الشعر الكلاسيكي، أو حتى لا وجه للمقارنة بينه وبين الشعر النبطي.

تسأل: هل يعقل أن يكون الزمن بطوله وعرضه، زمن شكل أدبي أو إبداعي واحد؟ عندها لن يكون هناك إبداع! دردشات حلوة ومسلية ومحفزة، ولا يتمسك بآرائهم في العادة الكثيرون، لكنها أسئلة تدهمنا مرات كلما حمي النقاش حول «الأصلح للتعبير عن روح العصر». والحقيقة أنه، قديماً فقط كان نوع واحد من أنواع الإبداع قادراً على القيام بهذه المهمة، أما في زماننا هذا، وبعدما ظهرت، أو اكتشفت أشكال كثيرة، فلم يعد أي منها وحده قادراً على التعبير عن روح العصر ولا الظهر، فالناس تقرأ كل شيء، كل شيء يحرك فيهم شيئاً، وحسب تعبير صديقه «أعشق قراءة ما يحركني».

m_juma@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا