• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

إيران الثالثة القائمة على مبدأ «الدولة الأمة» التي يكون مواطنوها إيرانيين بالتعريف، هي وحدها التي يمكن أن تعيش بسلام مع جوارها العربي

إيران الفارسية.. وإيران الدولة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 31 مارس 2015

هناك أكثر من إيران وكل منها لها عدة أوجه، وهي «إيرانات» متنوعة ومتعددة قد تتكامل أو تتنافر جزئياً، ولكنها ليست متناظرة ومتطابقة تماماً، وهذا تفرضه ضرورة الفهم المركب والمعمق لما نراه اليوم من فيضان وتوتر في آن معاً للنفوذ والتمدد الإيراني. هناك بشكل أساسي ثلاث «إيرانات»، الأولى هي إيران التوسعية المهجوسة بإحياء الإرث الفارسي الإمبراطوري، والمشحونة بالتاريخ الذي يدفع إيران وقادتها شعبها دفعاً ويورطهم في مشروع إمبريالي إقليمي دائم. وإيران هذه ترى المنطقة كلها تابعة لها، وبكونها تملك مشروعاً إمبراطورياً متفوقاً على جوارها. وقد تواردت تمثيلات هذه الإيران الإمبراطورية على ألسنة مسؤولين إيرانيين كثر مؤخراً، تفاخر بعضهم بسيطرة إيران على عواصم عربية أربع، وتشاوف الآخر بأن الجيوش الشعبية التابعة لإيران تجوس في طول وعرض المنطقة. ولكن التمثيل الأبرز والأكثر فجاجة جاء قبل أسبوعين على لسان علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني عندما تفاخر بأن إيران عادت إلى وضعها الإمبراطوري الطبيعي، وأن العالم برمته أصلاً هو جزء من الشخصية الإيرانية، واعتبر أن العراق ليس جزءاً من النفوذ الثقافي لإيران وحسب بل جزء من «هوية إيران» وهو «عاصمتها» وأن هذا أمر لا يمكن الرجوع عنه لأن العلاقات الجغرافية والثقافية القائمة غير قابلة للإلغاء. فإيران الإمبرطورية الفارسية إذن تعتبر موقعها الطبيعي هو السيطرة المطلقة على المنطقة وقيادتها، وهي تنظر للعرب ليس وفق نظرة تعالٍ لا يتوارى عن التعبير عنها أدباء وفنانون وسياسيون كبار فيها، بل وفق نظرة عنصرية أحياناً بالمعنى العلمي للكلمة. وثمة تواريخ ماضية وقرون وتجارب مريرة ساهمت وتساهم في الإبقاء على إيران الفارسية، وليست ثمة مساحة للانخراط في نقاشها، ولكنها تجارب خلقت جرحاً نرجسياً دائم النزيف في الشخصية الجمعية الفارسية الإيرانية.

ظل ذلك الجرح النرجسي العميق يظهر بين الحين والآخر وبغض النظر عن «شكل الدولة» القائم في إيران. في العصر الحديث مثل الشاهنشاه، ملك الملوك، أحد أهم التعبيرات عن ذلك الإحساس الإمبراطوري المتوارث، ليس فقط في الحمولات الرمزية الفائضة، بل أيضاً، وهو الأهم، في السياسات الخارجية المُتبناة، والتي اتسمت بالتوسعية والتعالي على الجوار العربي وتسنم موقع «شرطي المنطقة» لعقود طويلة. في عهد الخميني أخذت تلك النزعة التوسعية الفارسية شكلاً دينياً حيث لبست رداء «تصدير الثورة» واستهدفت الجوار المباشر وهو العراق والخليج العربي. صحيح أن صدام حسين كان المُبادر بالحرب ضد إيران وكانت تلك المبادأة قِصر نظر، ولكن المناخ التأسيسي الذي نشرته ثورة الخميني بخطابها الاستفزازي ليس فقط للعراق بل ولكل الخليج، كان هو المسؤول المباشر عن تلك الحرب الأليمة التي حصدت ملايين وأسست لما نعيشه الآن. وفي الأطوار اللاحقة من حياة «الثورة الإيرانية» ومنها اللحظة الراهنة، وجدت «الإمبراطورية الفارسية» الكامنة في مسألة حيازة السلاح النووي البوابة الأهم والأوسع لاستدعاء كل الماضي المجيد وإثبات أحقية إيران في السيطرة الإقليمية وإعادتها إلى «موقعها الطبيعي» وهو قيادة بلدان الشرق الأوسط وإخضاع شعوبها.

ضمن هذا الشعور المتضخم بالذات الإمبراطورية يتم توظيف كل المسائل والقضايا التي تطرحها الأحداث الصغيرة (بما فيها، وربما على رأسها قضية فلسطين). وقد لعبت فلسطين ومنذ عهد الخميني فصاعداً الرافعة العاطفية والدينية التي مكنت إيران من فك أقفال عديدة في المنطقة العربية. ولكن هذا الدعم، لا يمكن فهمه إلا من زاوية التوسع الإقليمي وتعزيز مكانة إيران، وليس حباً في فلسطين والفلسطينين ولا قضيتهم. تتماهى مع «إيران الإمبراطورية الفارسية» إيران أخرى هي «إيران التشيع السياسي» التي أطلقها الخميني وطرحت نفسها حامية للشيعة ليس فقط في المنطقة، بل في العالم بأسره. وهذه الإيران تتسم بكونها هي أيضا إيراناً عابرة للحدود ولا تحترم سيادات الدول.

ومقابل هاتين «الإيرانين» السابقتين هناك «إيران» ثالثة هي إيران «الدولة- الأمة» التي من المفروض أن تكون ملزمة بالقانون الدولي وتحترم سيادات الدول ولا تستبطن أي مشروع إيديولوجي إو إمبراطوري متجاوز للحدود، والقائمة على مبدأ المواطنة وليس المذهب. وهذه الإيران الأخيرة هي أضعف الإيرانات مع الأسف، وهي ما يجب أن يتم دعمه وتقويته والتعاون معه. صحيح أن هناك تياراً عريضاً وقوياً داخل إيران «الدولة- الأمة» يريد لهذه الأخيرة أن يقوى عودها وحضورها مقابل إيران الإمبراطورية وإيران التشيع السياسي، ولكنه لا يمتلك قوة خطابات الآخرين وإيديولوجيتهم. كما ليست هناك حدود فاصلة وواضحة بين هذه الإيرانات الثلاث وليست ثمة كتل داخل إيران صارمة الملامح يمثل كل منها إيرانه الخاصة به. بل هناك تداخل وغموض في التعريفات حيث تبدو هذه الإيرانات كثلاث دوائر تتداخل في منطقة الوسط، بما يعني اشتراكها في عناصر عديدة واختلافها في عناصر أخرى.

وما يجب على العرب أن يطالبوا به ويشجعوه ويتعاونوا معه هو إيران الثالثة القائمة على مبدأ «الدولة الأمة» التي يكون مواطنوها إيرانيين بالتعريف. وهذه الإيران هي وحدها التي يمكن أن تعيش بسلام مع جوارها العربي وتقيم علاقات قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة، بل والتعاون أيضاً. إيران التي تنزع عنها هوس التوسع والسيطرة على عواصم العرب، وادعاء تمثيل الشرق الأوسط وشعوبه، وأنهم جميعاً جزء من الهوية والتاريخ الإيراني. وربما كان هذا الكلام الآن شعراً ورومانسية لا تتحقق على أرض الواقع ببشاعته، ولكن ليس هناك من سبيل إلا لجم إيران التوسعية وتنمية إيران الدولة. والمثال الأوروبي واضح ومُعلم حول دول ومشاريع توسعية، ذات إيديولوجيات عنصرية ومزاعم مظلوميات تاريخية، تم لجمها وتقليم تطرفاتها، وتحولت إلى دول أمم رصينة ومحترمة!

د.خالد الحروب*

* كاتب وأكاديمي عربي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا