• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

يناهض الحرب وينتصر للحياة.. بالمُهمَلات

الإيطالي ألبرتو بوري.. المادة من الحاوية إلى المتحف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 10 يوليو 2016

محمد العامري

لم يتوقف الخلق الإنساني عند حدود المواد النبيلة في التعبير الفني عن موضوعاته وهواجسه، فقد اخْتبر الكائن الإنساني طرائق متعددة لتقديم الإدهاش في مشهدية العمل الفني كجزء من سموه نحو تحققات الحلم الأبعد، وجذْب الجمهور وإثارة التساؤلات حول المادة والموضوع معاً، فكانت هناك محاولات جادة للتعبير عن مخياله الإنساني المطلق، بدءاً من الثورة على الموروث الفني وصولاً إلى الثورة على طبيعة المادة المستخدمة في الفن، فكانت الدادائية والتعبيرية والانطباعية والانستليشن والبيرفورمانس، والمواد البائدة التي أكسبها الفنان تاريخاً جديداً بإخراجها من الحاوية والمهملات إلى أفخم صالات المتاحف، وخير مثال على رواد حركة الفن المتقشف (سُميت بهذا الاسم لطبيعة المواد الرخيصة المستخدمة في الإنتاج الفني) ألبرتو بوري، وبييرو مانزوني، ولوسيو فونتان، وفناني حركة سباتيليزم الفنية.

ففضاء المادة في التعبير الفني جاء عبر سياقات احتجاجية على قسوة المجتمع الصناعي وتداعياته على الإنسان المسحوق، ومن أهم التمظهرات الاحتجاجية الإجرائية ما قام به تشيلاينت برعايته معرض فضاء في تشرين أول العام 1967 وأتْبع المعرض بكتاب «تاريخ رواد الفن المتقشف»، إذ أشار في هذا الكتاب إلى أفكار ثورية على المادة والعمل التقليدي في مواجهة السياسة التجارية في الفنون.

ألبرتو بوري من الفنانين الرواد في هذا المجال كون تلك التوجهات تنسجم مع فكرة وطبيعة وجوده في حقب الحرب واستباحة الإنسان. وبوري المولود في سيتا دي كاستيلو العام 1915 طبيب إيطالي وعضو في الحزب الفاشي. عاش تجربة مؤلمة كونه أسير حرب في المعسكر الأميركي، وأعتقد أن تلك الظروف القاسية والمضطربة جعلت منه فناناً يتجاوز المادة النبيلة ليستخدم ما هو متاح له من مهملات رخيصة، في المعسكرات، ليحولها إلى فضاءات إبداعية جديدة تعكس طبيعة العنف والاضطراب الذي تعرض له، حيث تعكس أعماله طبيعة الماضي المؤلم وما خلفته الحرب من تفتيت للقيم الإنسانية وتداعيات في النفس البشرية، فقد صُنف بوري ضمن مجموعة الفنانين المعتقلين بعيداً عن مهنته الأساسية (الطب) الذي ابتعد عنه وانتصر للتعبير الفني عبر استخداماته لمواد منها البلاستيك وأكياس الخيش وأكسيد الزنك، ومزق الخيام والرمل. كل تلك المواد صاغها عبر الحرق والثقوب والكولاج، وأعطاها قيماً جمالية قاسية عبرت عن مفاهيم جديدة في طبيعة الخطاب الفني والمادة على حد سواء، فهو يعمل على مفاهيم اللوحة الكارثية التي تعتبر جزءاً مقتطعاً من الكوارث والدمار الذي خلفته الحروب، وهو صنع من البؤس مساحة لتَحْبير مادة إنسانية تدين الحروب وتجلياتها الاقتصادية والنفسية والاجتماعية.

أتاح له سفره إلى باريس العام 1949 لقاء فنانين بعضهم صنف من المرفوضين أمثال: بول كلي وخوان ميرو وجان أرب، وهذا اللقاء أثار فضول بوري ليقدم مجموعة من الأعمال، مستخدماً فيها عناصر جديدة تنتمي إلى مفاهيم الرقش الجداري «النقوش الجدارية»، فكان لمعرفته بطبيعة المواد الكيماوية وتفاعلاتها الأثر الأكبر في خلق مجموعة من السطوح التصويرية ذات البعد الزمني «سطوح تعكس فعل الزمن»، أي سطوح تحيلك إلى طبيعة الزمن وتآكلات المادة في الجدار، وكانت تلك الأعمال أقرب إلى مقطعات من جدران تهدمت في الحرب وصولاً إلى آثار الحرق والنار والثقوب في تلك الجدران التي تمظهرت في طبيعة لوحاته. وفي كل ذلك، كان يهدف إلى خلق تأثير قوي على المشاهد من خلال تفاعلات المواد المختلفة على سطوح لوحاته، والغريب أنه استطاع أن يجد رابطاً مهماً بين طبائع المواد المختلفة كالحديد والقماش والورق والأصماغ وتشققات الأخشاب، أنه الصانع الأمهر الذي يخلق من المهملات مادة ذات رسالة إنسانية قوية. فلم يكتف بطبيعة السطوح، بل استفاد من طبيعة النحت الريليفي البارز والغائر ليحقق دعوة لمشاهديه في لمس الأعمال وتحسسها والتعايش معها، كجزء عضوي من تاريخ الإنسان.

في الفترة بين عامي 1953-1954، تمكن بوري من لفت الانتباه في الولايات المتحدة حين أدْرجت بعض أعماله في متحف غوغنهايم، حيث أقيم له أول معرض استعادي في متحف الفنون في هيوسن وتوالت العروض عليه لإقامة أكثر من احتفالية فنية معظمها تحت عنوان «صدمة الرسم» كعنوان ينسجم مع طبيعة أفكاره. لقد نال مجموعة من الاعترافات المهمة على مُنجَزِه أهمها وسام الاستحقاق للجمهورية الإيطالية العام 1994.

ما تزال حياة ألبرتو بوري مادة مهمة للبحث في تاريخ هذا الفنان الذي تجاوز تقليدية «اللوحة المسندية»، واستطاع أن يصنع من البؤس الإنساني مادة جمالية ذات بعد فلسفي يعبر فيها وبشكل صادم عن رفضه للحروب والانتصار للحياة بوصفها القوة الأكبر.

* محمد العامري فنان ورسام أردني

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا