• الأربعاء 04 شوال 1438هـ - 28 يونيو 2017م

غيابها أنتج الإرهاب وأشاع الفكر السلفي

الجامعات العربية.. بلا فلسفة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 مايو 2017

د. سعيد توفيق

يشهد التاريخ على ارتباط الحضارة بالفلسفة وتراجعها بتراجع الفلسفة، ولهذا رأى ديكارت- في كتابه «مبادئ الفلسفة»- أن «كل أمة إنما يعظم نصيبُها من التمدن والتهذيب بعظم نصيبِها من حسن تفلسف الناس فيها»، وأن «أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحَه فلاسفةً حقيقيين». ولقد كانت الفلسفة في اقترانها بالحضارات وليدة روح عصرها؛ إذ كان لكل عصر أسئلته الكبرى التي ُتركت للفيلسوف كي يجيب عنها، ومعنى هذا أن الواقع بكل أبعاده المعرفية والعلمية ونتاجاته الثقافية في حضارة ما، كان يثير دائماً التساؤلات التي تستدعي مهمة التفلسف، وبذلك فإن الفلسفة تبدو كحركة للوعي أو العقل النقدي الذي يطور نفسه باستمرار في ضوء ما يطرحه ويفرزه الواقع من تساؤلات.

الفلسفة تقف وراء كل تطور في مجال العلوم الإنسانية، ومن ثم وراء الفكر والثقافة في مجتمع ما. ولهذا نجد الجامعات في العالم المتحضر حافلة بأقسام الفلسفة، بل بكليات خاصة بالفلسفة. كما أننا نجدها حاضرة في سائر تخصصات العلوم الإنسانية، وحتى في تخصصات العلوم الطبيعية.

حالة بؤس

إذا ألقينا نظرة الآن على وضع الفلسفة في عالمنا العربي، سنجد حالة عجيبة من الازدواجية: اعتراف بالفلسفة كاسم يتباهى به المسؤولون في خطاباتِهم من خلال إلصاق كلمة الفلسفة بكل عمل أو مشروع، كبر حجمه أو صغر، كأن يقال: فلسفة الثورة، أو فلسفة الإدارة، أو فلسفة المشروع الفلاني؛ أما على المستوى العملي أو الواقعي، فإن الفلسفة لا تلقى سوى الازدراء كما يظهر في الأقوال الشائعة في المجادلات والمحادثات اليومية، من قبيل: «بلاش فلسفة» (بالعامية المصرية)، أي تكلم من دون فلسفة؛ أو السخرية من الشخص الذي يتكلم كلاماً جاداً بالقول: «إنه يتفلسف»، بمعنى أنه يقول كلاماً لا جدوى منه. هذه هي الصورة السائدة عن الفلسفة في ثقافتنا العربية الراهنة بوجه عام؛ فالفلسفة لا جدوى من ورائها، ولا فائدة منها في الواقع، ولا مانع- برغم ذلك- أن نتشدق باسمها في المحافل والمكلمات!

وقد ترتب على ذلك طرد الفلسفة من أكثر الجامعات العربية؛ إذ يمكن القول - على وجه العموم - بأن الفلسفة لا تحظى بالحضور اللائق بها في الجامعات العربية. ففي معظم الجامعات الخليجية أغلقت أقسام الفلسفة أبوابها كأقسام قائمة بذاتها، ولا يُسمح بوجودها أصلًا في الجامعات السعودية. وربما يكون وضع الفلسفة في الكويت استثناءً في هذا المشهد الخليجي؛ لأن هناك قسماً علميّاً مستقراً منذ إنشائه في فترة مبكرة نسبيّاً. ومع ذلك، فإن حضور هذا القسم وتأثيره في الواقع الثقافي لم يعد مثلما كان فيما مضى، وهذا يمكن أن يؤدي مستقبلاً إلى ضعف جاذبية الدراسة الفلسفية فيه، وقلة الإقبال عليها أو الاهتمام بها. وعلى الرغم من أن الفلسفة تحظى باهتمام بالغ على مستوى الدرس الجامعي في جامعات مصر الحكومية المنتشرة في كل ربوعها؛ فإننا نلاحظ تدهورًا شديدًا في مستوى الباحثين والخريجين من دارسي الفلسفة يحول دون أن يكون للفلسفة دور فاعل في بنية الثقافة، بعد أن كانت الجامعات المصرية (على قلتها فيما مضى) تحفل بأسماء بارزة من الأساتذة الكبار في مجال الفلسفة، ممن أسهموا في إثراء الثقافة والفكر، ليس فحسب في مصر، وإنما أيضًا في العالم العربي. وبوسعنا القول إن الفلسفة الآن توجد على استحياء في المغرب العربي... فهناك حركة ترجمة أو نقل مواكبة لتطور نظريات واتجاهات الفلسفة في أوروبا بوجه خاص، وقد انعكس ذلك في كثير من المؤلفات الرصينة في مجال الفكر والثقافة بوجه عام. وهذا من شأنه أن يمهد لقيام نقلة إبداعية في مجال الفلسفة، ومن ثم في المجال الواسع للفكر والثقافة. وعلى هذا يمكن القول بأننا إذا استثنينا المغرب وتونس بوجه خاص، فإن حالة الفلسفة في عالمنا العربي تتراوح بين الغياب التام والتدهور النسبي. ويمكننا الآن أن نتساءل عن أسباب ذلك كله.

احتقار العلم النظري ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا